لم تعد هناك حاجة لقانون نوبك.
لا يمكن قراءة خروج الإمارات من أوبك وأوبك+ بوصفه مجرد خلاف على الحصص الإنتاجية أو تعبيرًا عن تباين ظرفي في المصالح، بل باعتباره مؤشرًا على تحوّل أعمق في بنية سوق النفط العالمي وفي شكل القوة التي تحكمه. فحين تغادر دولة نفطية إطارًا جماعيًا مثل أوبك، فإن المسألة لا تتعلق فقط ببراميل إضافية أو حصص إنتاج، بل بتآكل الصيغة نفسها التي منحت المنتجين، لعقود، قدرة جماعية على التأثير في السوق. ولا ينبغي فهم هذا الخروج باعتباره حدثًا اقتصاديًا محدود الأثر، بل يجب النظر إليه كخطوة تسير في اتجاه تفكيك الهيمنة الجزئية التي مثّلها الإطار الجماعي للمنتجين داخل سوق النفط. وهي هيمنة ظلت الولايات المتحدة تتحسس منها وتسعى إلى تفكيكها؛ لأنها منحت المنتجين الكبار قدرة جماعية على التأثير في الإمدادات والأسعار، بما يضيّق هامش مناورتها في إدارة النظام الاقتصادي الدولي. ولفهم هذا البعد على نحو أدق، يعرّف جيف كولغان، في كتابه الهيمنة الجزئية: سياسات النفط والنظام الدولي، الهيمنة الجزئية بأنها وضع تهيمن فيه مجموعة دول على بعض أبعاد القوة لا على جميعها. ومن هذا المنظور، فإن ما مثّلته أوبك وأوبك+ لم يكن سيطرة كاملة على السوق، بل قدرة جماعية على التأثير في أحد أبعاده الأساسية، أي تنظيم العرض والتأثير في اتجاهات الأسعار. يذهب جيف كولغان، في الكتاب نفسه، إلى أن الولايات المتحدة حققت هيمنة شاملة على معظم أبعاد النظام الدولي عسكريًا وماليًا ومؤسسيًا، لكنها ظلت عاجزة عن بسطها على سوق النفط تحديدًا. وهو ما يجعل هذا السوق حالة استثنائية في بنية النظام الدولي بعد الحرب الباردة، واستثناءً يفسر كثيرًا من الاحتقان الأمريكي المزمن تجاه أي صيغة جماعية تمنح المنتجين نفوذًا منظمًا. وفي هذا الإطار، بدت أوبك، في نظر الولايات المتحدة، أكثر من مجرد منظمة نفطية، إذ أُخذت تُفهم بوصفها اصطفافًا جماعيًا يقيّد جانبًا من الهيمنة الأمريكية داخل سوق النفط، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار ما يطرحه ستيفن والت، في كتابه ترويض القوة الأمريكية: الاستجابة العالمية للهيمنة الأمريكية، من أن تفوق القوة الأمريكية نفسه يدفع قوى أخرى إلى السعي لتقييد حركتها والحد من آثار هيمنتها. وهذه الحساسية الأمريكية تجاه الصيغة الجماعية للمنتجين لا تبدو منفصلة عن منطق أوسع يرى في كل إطار منسق يقيّد جانبًا من الهيمنة الأمريكية داخل سوق النفط هدفًا ينبغي تدميره. وقد انعكس ذلك في عودة مشروع قانون نوبك إلى الواجهة في الولايات المتحدة عام 2022 عقب قرار أوبك+ خفض الإنتاج بمليوني برميل يوميًا، قبل أن يتعثر لاحقًا رغم تقدّمه في اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ ومعارضة قطاع النفط الأمريكي نفسه له. وظهرت هذه الحساسية بوضوح في واقعة إلقاء القبض على نيكولاس مادورو في يناير 2026، قبل أن تبلغ ذروتها في الهجوم على إيران في العام نفسه، بما يعكس استعداد واشنطن للذهاب بعيدًا حين يتعلق الأمر بقوى أو دول يُنظر إليها بوصفها معرقلة لمساعيها نحو سوق أكثر انفتاحًا وأقل خضوعًا لمنطق التنسيق الجماعي. وبالعودة إلى جيف كولغان، تبرز فكرة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن بقاء أي إطار جماعي يعتمد على أمرين لا غنى عنهما: ما يقدمه لأعضائه من مكاسب ملموسة، وما يفرضه على المخالفين من كلفة رادعة. فحين تغيب هذه الكلفة، يصبح التماسك الجماعي أقرب إلى رغبة سياسية منه إلى التزام فعلي. وانطلاقًا من هذه المقاربة، لا يبدو خروج قطر عام 2019 منفصلًا عما يجري اليوم، بل يمكن النظر إليه بوصفه إشارة مبكرة إلى مشكلة أن أوبك لم تعد قادرة على جعل العضوية فيها التزامًا عالي الكلفة. فقد غادرت الدوحة من دون أن تدفع ثمنًا مؤسسيًا يُذكر، وهو ما كشف عن خلل بنيوي في قدرة المنظمة على الإلزام والردع. وجاء خروج الإمارات ليؤكد أن المشكلة لم تتغير، وأن الخلل يكمن في الهشاشة المؤسسية لأوبك نفسها؛ إذ لم تعد المنظمة تملك الأدوات التي تجعل الخروج منها قرارًا مكلفًا، وحين تنخفض كلفة الخروج، يصبح الانسحاب خيارًا متاحًا لكل عضو يرى في مصلحته الوطنية ما يتعارض مع منطق التنسيق الجماعي. لذا، لا يمكن النظر إلى خروج قطر، ثم استهداف نظام مادورو، والتصعيد ضد إيران، وخروج الإمارات، بوصفها وقائع منفصلة عن الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى مواجهة أوبك وتفكيك هيمنتها الجزئية على سوق النفط. فقد تحركت واشنطن عبر مسارين متوازيين: إما تهيئة بيئة تجعل الانسحاب أكثر جاذبية وأقل كلفة، بالاستفادة من الهشاشة المؤسسية لأوبك، كما في حالة قطر التي بدا خروجها أقرب إلى تهدئة علاقتها مع واشنطن، والإمارات التي جاء خروجها في سياق ضغوط الحرب الاقتصادية والبحث عن دعم وتمويل أمريكي؛ وإما اللجوء إلى مسار أكثر صدامية يقوم على الضغط المباشر والسعي إلى تغيير النظام، كما في حالتي فنزويلا وإيران. وكل ذلك جرى في ظل إدارة الرئيس ترامب وبذلك تتضح الغاية الأوسع للاستراتيجية الأمريكية؛ إذ لا تقف النتيجة عند حدود إضعاف أوبك، بل تمتد إلى تفكيك قدرتها الجماعية، بما يتيح لواشنطن ممارسة الضغوط على الدول المنتجة بصورة منفردة بعد إخراجها من التكتل، ضمن مسعى أوسع للضغط على الصين عبر التأثير في إمدادات الطاقة، من خلال إنهاء أي قدرة جماعية للمنتجين على التأثير في سوق النفط. وإذا صحّ هذا التحليل، فإن التوصية الأهم لا تكمن في رصد الانسحابات أو الاكتفاء بتفسيرها، بل في معالجة السبب البنيوي الذي يجعلها ممكنة أصلًا. فإذا كان الإطار الجماعي يريد الحفاظ على قدرته على الفعل، فعليه أن يرفع كلفة المخالفة وكلفة الخروج معًا، عبر آليات عقابية ومؤسسية واضحة تجعل الالتزام أكثر جدية، وتجعل الخروج قرارًا عالي الكلفة. ومن دون ذلك، ستظل أوبك معرّضة لأن تتحول تدريجيًا إلى مظلة رمزية أكثر منها أداة تنظيم فعلي. وسيظل أي عضو يرى في الخروج مصلحة وطنية قادرًا على الإقدام عليه من دون ثمن يردعه، ما لم تُستحدث آليات مؤسسية حقيقية تعيد إلى الإطار الجماعي قدرته على الإلزام. *باحث في العلوم السياسية Salanazias@gmail.com