نحو حوكمة نوعية للمبادرات التعليمية..
رؤية لتأسيس لجنة مركزية لتحكيم المبادرات في وزارة التعليم.
يشهد الميدان التربوي في المملكة العربية السعودية حراكًا متناميًا يعكس وعيًا مهنيًا متقدمًا لدى منسوبي ومنسوبات التعليم، حيث برزت المبادرات التربوية بوصفها أحد أبرز ملامح هذا التحول، ولم تعد هذه المبادرات مجرد اجتهادات فردية عابرة، بل أصبحت تمثل طاقة فكرية وإبداعية تسعى إلى تطوير البيئة التعليمية وتحسين مخرجاتها، مدفوعة بروح الانتماء والمسؤولية، ومتسقة – في كثير من صورها – مع التوجهات الوطنية الكبرى، غير أنَّ هذا الزَّّخم، على أهميته، يطرح تحديًا جوهريًا يتمثَّل في كيفية إدارته وتوجيهه ضمن إطارٍ مؤسَّسي يضمن تحقيق أعلى درجات الجودة والأثر. إن كثرة المبادرات وتنوع مجالاتها، رغم ما تحمله من مؤشرات إيجابية، قد تقود في غياب التنظيم إلى تشتت الجهود وتكرار الأفكار، وربما إلى ضياع فرص نوعية من الممكن استغلالها، وتسهم بفاعلية في تطوير التعليم لو وجدت البيئة الحاضنة والتقويم المنهجي، كما أنَّ بعض المبادرات -على ما تحمله من حماس- قد تفتقر إلى الأسس العلمية أو لا تنسجم بصورة مباشرة مع الأولويات الاستراتيجية للوزارة، مما يقلِّل من فرص استثمارها على النحو الأمثل، من هنا تتجلَّى الحاجة إلى استحداث لجنة مركزية متخصِّصة داخل وزارة التعليم تُعنى بتحكيم المبادرات التعليمية، وتتصَّل مؤسّسيا بمعالي وزير التعليم، بحيث تكون مرجعية موثوقة تستقبل هذه المبادرات، وتدرسها، وتقوّمها، وتعمل على تجويدها وتوجيهها. إن الدور المنتظر من هذه اللجنة لا ينبغي أن يُختزل في مجرد القبول أو الرفض، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة متكاملة تُسهم في صناعة مبادرات أكثر نضجًا وتأثيرًا، فوجود قناة رسمية ومنهجية لاستقبال المبادرات يتيح لجميع منسوبي التعليم عرض أفكارهم ضمن نماذج معيارية واضحة، الأمر الذي يسهم في رفع جودة الطرح منذ البداية، كما أنَّ إخضاع هذه المبادرات لتحكيم علمي ومهني يستند إلى معايير دقيقة، يعزِّز من العدالة والشفافية، ويمنح أصحاب المبادرات ثقة أكبر في جدوى ما يقدمونه من أفكار وتطلّعات، وتبرز هنا أهمية التغذية الراجعة بوصفها أداة تطويرية، إذ لا يقتصر دور اللجنة على إصدار الأحكام بالقبول أو الرفض، بل يمتدّ إلى تقديم ملاحظات بنّاءة تساعد أصحاب المبادرات على تحسين أفكارهم وتطويرها. وفي سياق أوسع، يمكن لهذه اللجنة أن تسهم في بناء ذاكرة مؤسسية للمبادرات التعليمية من خلال تصنيفها وتبويبها وفق مجالات محددة، بما يتيح تكوين قاعدة معرفية تراكمية تُستثمر في التخطيط والتطوير، كما أن احتضان المبادرات المتميزة وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتطبيق على نطاق أوسع يمثّل أحد أهم أدوارها، خاصة إذا ما رُبط ذلك بجهات تنفيذية قادرة على تبنّي هذه المبادرات وتفعيلها في الميدان، هذا التكامل بين الفكرة والتنفيذ كفيل بتحويل المبادرات من مجرد تصورات نظرية إلى ممارسات واقعية تحدث أثرًا ملموسًا. ولا يمكن الحديث عن المبادرات التعليمية في المملكة بمعزل عن مستهدفات رؤية 2030، التي وضعت التعليم في قلب مشروعها التنموي، بوصفه ركيزة أساسية لبناء الإنسان وتعزيز الاقتصاد المعرفي، ومن هنا، فإنّ ربط المبادرات بهذه الرؤية لا يُعد خيارًا تنظيميًا بقدر ما هو ضرورة استراتيجية، تضمن توجيه الجهود نحو الأولويات الوطنية، وتحقق الانسجام بين المبادرات الفردية والتوجهات العامة، وتضطلع اللجنة المقترحة بدور محوري في هذا الجانب، من خلال التأكد من أن كل مبادرة تسهم – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في تحقيق هذه المستهدفات، وأنها قابلة للقياس والتقويم. إنَّ الأثر المتوقع من استحداث هذه اللَّجنة يتجاوز مجرد تنظيم المبادرات، ليشمل إحداث نقلة نوعية في الثقافة المؤسسية ذاتها، حيث تنتقل المبادرات من العشوائية إلى المنهجية، ومن الفردية إلى التكامل، ومن الاجتهادات غير المقننة إلى الممارسات المبنية على معايير واضحة، كما يسهم ذلك في تعزيز روح الابتكار لدى منسوبي التعليم لا سيّما المعلمين والمعلمات، الذين هم حجر الأساس في الإلهام والتطوّر، وروح الميدان التعليمي، والأقرب للأفكار التطويرية المستدامة، فيكون هذا التعزيز ضمن إطار منضبط يوازن بين الإبداع والالتزام، ويضمن استثمار الطاقات بأعلى درجات الكفاءة. ختامًا، تمثّل المبادرات التربوية طاقة كامنة قادرة على إحداث فرق حقيقي في جودة التعليم، لكنها تحتاج إلى إدارة واعية توجهها وتستثمرها، فاستحداث لجنة مركزية لتحكيم المبادرات في وزارة التعليم يعد خطوة استراتيجية في هذا الاتجاه، إذ يحقق التوازن بين فتح المجال للإبداع وضمان جودته، ويمنح كل فكرة جادة فرصة عادلة للنمو والتأثير، إنّنا اليوم في حاجة إلى مبادرات نوعية تتسم بالعمق والاستدامة، أكثر من حاجتنا إلى كثرة عددية قد لا تحقق الأثر المنشود، وهذه الغاية يمكن أن تتحقق عندما تتوافر لها بيئة مؤسسية حاضنة، تُحسن التقدير والتقويم والتوجيه. * معلم وأخصائي تقويم مدرسي عضو في المجلس الاستشاري للمعلمين