خالد الفيصل..

الثقافة حين تكونُ (روحَ) مشروعه الطويل.!

هناك شخصيات تعبر المناصب، وهناك شخصيات تترك بصمات تتجاوز المناصب نفسها. والأمير خالد الفيصل واحد من أولئك الذين يصعب اختصارهم في تعريف إداريّ أو سياسيّ عابر؛ لأنه ظلّ، في جوهره، مثقفاً يرى العالم بعين الشاعر، ويفهم الإنسان بوصفه القيمة الأعلى في أيّ مشروع للتنمية. ولهذا لم تكن الثقافة في حياته هامشاً جانبياً، بل الفكرة التي رافقته في كل المراحل، من إمارة عسير إلى إمارة مكة المكرمة، وصولاً إلى موقعه مستشاراً لخادم الحرمين الشريفين. منذ بداياته المبكرة كان واضحاً أن الرجل لا ينتمي إلى صورة المسؤول التقليدي. كان أقرب إلى مشروع ثقافيّ يتحرك داخل الدولة، لا خارجها. وحين تولى إمارة عسير لم يتعامل مع المنطقة باعتبارها ملفاً خدمياً فقط، بل بكونها فضاءً إنسانياً يمكن أن يتحول إلى نموذج للجمال والثقافة والهوية. هناك بدأ الرهان الحقيقي على الإنسان، وعلى فكرة أن التنمية لا تعني بناء الطرق وحدها، بل بناء الذائقة أيضاً. ولهذا ارتبط اسم عسير في تلك المرحلة بالحركة الثقافية والفنية والمشهد الجمالي المختلف. لم يكن الأمير خالد الفيصل يرى الثقافة نشاطاً موسمياً يُقام على هامش الحياة، بل قوة قادرة على تغيير صورة المكان والناس معاً. ومن يتأمل تلك المرحلة يدرك أن كثيراً من التحولات التي تعيشها السعودية اليوم في المجال الثقافي كانت تجد جذورها الأولى في ذلك الوعي المبكر بأهمية الثقافة ودورها في تشكيل المجتمع. ثم جاءت مكة المكرمة، بكل رمزيّتها وتعقيداتها، لتكشف جانباً آخر من شخصيته. فالرجل الذي انشغل بالمشروعات الكبرى والبنية التحتية ظلّ يحمل الحسّ الثقافي نفسه، وكأنه يؤمن أن المدن لا تُقاس بحجم عمرانها فقط، بل بقدرتها على حماية روح الإنسان داخلها. ولهذا بقي قريباً من الأدب والفن والفكر حتى في أكثر المواقع انشغالاً بالإدارة والسياسة. ما يميز الأمير خالد الفيصل أيضاً أنه لم يكن مثقفاً معزولاً داخل القصيدة، بل مثقفاً حاول أن يحوّل الثقافة إلى فعل مؤثر في الواقع. ولذلك جاء تأسيس مؤسسة الفكر العربي على أنّها امتداد طبيعيّ لهذه الرؤية. فالمؤسسة لم تكن مجرد منصة ثقافية، بل محاولة لاستعادة دور الفكر العربي في زمن كانت فيه الأسئلة الكبرى تتراجع أمام (الضوضاء اليومية) والتحولات السريعة. لقد كان يرى أن العالم العربي لا يعاني أزمة موارد بقدر ما يعاني أزمة أفكار، وأن النهضة تبدأ من الوعي قبل الاقتصاد، ومن الإنسان قبل المشاريع. ولهذا انشغلت مؤسسة الفكر العربي بالمعرفة والتعليم والحوار والثقافة، محاوِلةً أن تفتح نافذة مختلفة في المشهد العربي المضطرب. وعلى امتداد عقود طويلة ظلّ الأمير خالد الفيصل قريباً من المثقفين والكتّاب والفنانين. دعم المؤسسات الثقافية، واحتفى بالمبادرات الفكرية، وتعامل مع الثقافة باعتبارها شريكاً أساسياً في التنمية الوطنية. ولذلك لا ينظر إليه كثيرون بصفته شاعراً فقط، بل شخصية آمنت بأن الكلمة يمكن أن تكون جزءاً من صناعة التحول. وربما لهذا السبب بقيت صورته مختلفة حتى داخل المشهد الثقافي السعودي نفسه. فهو لم يتعامل مع الثقافة بوصفها نخبويّة مغلقة، بل باعتبارها ضرورة لحماية المجتمع من القسوة والسطحية وفقدان المعنى. كان مؤمناً بأن الشعر ليس ترفاً، وأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، وأن الفن قادر على تهذيب الإنسان بقدر ما تفعل القوانين والمؤسسات. وحين نتأمل تجربته الشعرية نجد أنها لم تكن منفصلة عن رؤيته للحياة. ففي قصائده حضور دائم للإنسان والمكان والهوية والأسئلة الوجودية، وكأن الشاعر داخله ظلّ يراقب العالم حتى وهو يتحرك داخل دهاليز الإدارة والسياسة. ولهذا استطاع أن يحافظ على صورته انطلاقاً من كونه مثقفاً حقيقياً، لا مسؤولاً يقترب من الثقافة على سبيل الاستعراض. ومن هنا تبدو مؤسسة الأمير خالد الفيصل الثقافية نتيجة حتميّة لكل هذا التاريخ الطويل. فهي لا تبدأ من فراغ، بل من تجربة رجل ظلّ يؤمن بأن الثقافة نقطة التحول الأساسية في أي مشروع للتطور. المؤسسة تبدو وكأنها الخلاصة الأخيرة لفكرة قديمة حملها طويلاً، حيث أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بالأرقام وحدها، بل ببناء الإنسان القادر على التفكير والحلم والإبداع. اللافت في هذه المؤسسة أيضاً أنها تأتي في لحظة سعودية مختلفة، لحظة أصبحت فيها الثقافة جزءاً من الرؤية الوطنية الكبرى، ومن صورة المملكة الجديدة أمام العالم. ولذلك تبدو المؤسسة أقرب إلى جسر بين جيل قديم آمن بالثقافة بوصفها رسالة، وجيل جديد يعيش تحولات ضخمة ويريد أن يجد صوته وهويته داخل هذا العالم المتغير. وربما لهذا لا تبدو المؤسسة مجرد كيان يحمل اسم الأمير خالد الفيصل، بل صيرورة لسيرته نفسها؛ للرجل الذي ظلّ يراهن على الكلمة حتى في أكثر المواقع انشغالاً بالسياسة والإدارة، والذي آمن بأن الثقافة ليست نشاطاً إضافياً في حياة المجتمعات، بل بوصلتها الحقيقية. وفي زمن أصبحت فيه السرعة تلتهم كل شيء، تبدو تجربة الأمير خالد الفيصل تذكيراً هادئاً بأن الأمم لا تعيش بالاقتصاد وحده، ولا تبقى بالقوة وحدها، بل تحتاج دائماً إلى ما يحمي روحها من الجفاف. والثقافة، كما يبدو في مشروعه الطويل، كانت دائماً تلك الروح. (*) كاتب وصحافي سعودي