لنُعد لليل هيبته وللنوم قيمته.

في كل مدينةٍ نزورها، وفي كل مجتمعٍ نتأمله، نلحظ إيقاعًا مختلفًا للحياة. مدنٌ تضجُّ بالنهار، تمتلئ شوارعها بالعاملين الساعين إلى أرزاقهم، تتسابق فيها الخطوات منذ بزوغ الفجر حتى مغيب الشمس، ثم ما إن يحلّ الليل حتى تنطفئ الأضواء شيئًا فشيئًا، ويسكن الضجيج، ويأوي الناس إلى بيوتهم، وكأن ستارًا أسدل على مسرح يومٍ كامل. وفي المقابل، هناك مدنٌ أخرى لا تنام. أسواقها مفتوحة أربعًا وعشرين ساعة، مطاراتها وموانئها لا تهدأ، مصانعها تدور بلا توقف، حتى ليختلط الليل بالنهار، فلا يُعرف لهذا حدٌّ ولا لذاك بداية. يُقال عن الأولى إنها متأخرة، ويُشاد بالثانية بأنها متقدمة ومتطورة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه أيُّ النظامين أقرب إلى فطرة الإنسان؟ الطب الحديث كشف لنا جانبًا من الإجابة. فقد أثبتت الدراسات أن جسم الإنسان يعمل وفق ساعةٍ بيولوجية دقيقة وأن الدماغ يفرز في الظلام هرموناتٍ أساسية أبرزها الميلاتونين المسؤولة عن تنظيم النوم، وتقوية المناعة، وتجديد الخلايا. هذه المواد لا تُفرز بكفاءة إلا في الليل ومع النوم العميق. ولهذا يوصي الأطباء بنومٍ صحي يتراوح بين ست إلى ثماني ساعات، في بيئة مظلمة هادئة، حتى يستعيد الجسد توازنه. إن الإنسان لا ينمو جسديًا ونفسيًا إلا حين يأخذ حقه من السكون. الليل ليس فراغًا زمنيًا فائضًا عن الحاجة، بل ضرورة فطرية، تمامًا كما أن النهار ميدان الحركة والسعي. وحين نُربك هذه المعادلة، ونجعل الليل نهارًا دائمًا، فإننا لا نتحدى الطبيعة فحسب، بل نرهق أجسادنا ونستنزف أرواحنا. ولو عدنا إلى الوراء، إلى منبع الهداية الأول، لوجدنا أن القرآن الكريم قد لخص هذا البرنامج الحياتي بدقة مدهشة. يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (الفرقان: 47). آية واحدة رسمت خارطة الحياة: الليل لباسًا… أي سترًا وسكونًا واحتواء. النوم سباتًا… أي انقطاعًا عن الحركة، وراحةً للجسد والعقل. النهار نشورًا… أي انبعاثًا وانتشارًا في الأرض طلبًا للرزق والعمل. ولم تكن هذه الآية الوحيدة في بيان هذا الميزان. يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (النبأ: 10-11)، فجعل الليل ساترًا هادئًا، والنهار زمنًا للمعاش والكسب. ويقول سبحانه: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (القصص: 73). فالسكينة في الليل، وابتغاء الفضل في النهار. تقسيمٌ ربانيٌّ لا عبث فيه ولا عشوائية. بل إن القرآن يلفت نظرنا إلى آية كونية عظمى في تعاقب الليل والنهار، فيقول: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 6). فالاختلاف ذاته – تعاقب السكون والحركة – هو سرّ الاتزان. إن التقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات التي تعمل فيها المصانع، ولا بعدد المتاجر المفتوحة حتى الفجر، بل يُقاس بمدى انسجام الإنسان مع فطرته. الحضارة التي تحترم جسد الإنسان ونفسيته هي الحضارة الأوعى، حتى وإن بدت أقل صخبًا. ولعلنا بحاجةٍ إلى إعادة النظر في أسلوب حياتنا؛ أن نعيد للّيل هيبته، وللنوم قيمته، وللنهار رسالته. فليس من الحكمة أن نستهلك أعمارنا في ضوءٍ لا ينطفئ، ثم نبحث عن الصحة في عيادات الأطباء. لقد جمع القرآن منهج الحياة في كلماتٍ معدودة، قبل أن تعرف البشرية المختبرات ومراكز الأبحاث. برنامجٌ يبدأ بنشور النهار، وينتهي بسكون الليل، ويتجدد كل أربعٍ وعشرين ساعة في دورةٍ متوازنة. فيا الله… ما أعظم هذا الميزان، وما أدق هذا التنظيم. بين ليلٍ يلبسنا سكونه، ونهارٍ يبعثنا إلى أرزاقنا، تتشكل حياة الإنسان، إذا أحسن الإصغاء إلى سنن الله في الكون.