فقدنا في الأيام الماضية أحد رواد التعليم بمنطقة الجوف الأستاذ: ضيف الله بن طريّق الدويرج الذي يُعد من الرعيل الأول ممن خاض غمار العلم وابتعث للدراسة بالخارج، وتنقل بين عدة مناصب ساهم خلالها في دفع عجلة العلم والمعرفة حين عُيّن معلماً في كلية أبها للمعلمين ثم نائباً لعميد كلية المعلمين بسكاكا، فمديراً لمكتب الإشراف التربوي في طبرجل. كما كان من أوائل من لبوا نداء الوطن من أبناء منطقة الجوف إبّان حرب الخليج الثانية، متطوعاً بالجيش السعودي. نشأ –رحمه الله- في بيئة بدوية، متقد الذهن، سريع البديهة، يحمل طموحاً وشغفاً بالتعلّم، وتطلعاتٍ لمستقبلٍ واعد، وقد لفت ذلك انتباه أمير منطقة الجوف(آنذاك) الأمير: عبدالرحمن السديري الذي عرض عليه العمل في الإمارة عقب حصوله على البكالوريوس، رغبة في استقطاب الكفاءات الشابة إلا أنه أعتذر بلطف مفضلاً إكمال مسيرته العلمية. التقيته في برنامج (سِيَر) العام الماضي، وتحدث خلاله عن محطات من حياته ومناصبه، وكان مما لفت انتباهي قوله عند عودته من الولايات المتحدة وتعيينه معلماً في كلية المعلمين بأبها: ( أنا مدين للوطن، ويجب أن أعمل) مستشعراً مسؤولية رد جميل الوطن الذي ابتعثه وتكفل بدراسته، فحمل على عاتقه الإسهام بجد واجتهاد في بناء التعليم، في مرحلة كان الوطن فيها بحاجة إلى سواعد ابنائه. ولد – رحمه الله - في صحراء الجوف سنة 1949م فيما يعرف عن أهل البادية بسنة(طريف) تزامناً مع نشأة المدينة وبداياتها مع انشاء خط التابلاين. نشأ في بيئة كان التنقل فيها أسلوب حياة بحثاً عن (الماء والكلأ)، وعند استقرار جماعته في الأردن، التحق بمدرسةٍ في منطقة (الموقَّر) لكنه لم يكمل عامه الدراسي بسبب عودتهم إلى موطنهم الجوف. وفي عام1377هـ التحق بمدرسة في سكاكا، في مبنى طيني، حيث بدأ رحلته التعليمية، وتدرّج في مراحلها حتى تخرج من الثانوية عام 1389هـ، ثم التحق بكلية التربية في الرياض، ونال درجة البكالوريوس عام 1394هـ. عُيّن بعدها معلماً في مدارس الرياض، ثم ابتعث بعد عامين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على الماجستير، إلى جانب اجتيازه برنامجاً في اللغة الانجليزية. وفي عام 1399هـ عُيّن معلماً في كلية المعلمين بأبها ومحاضراً غير متفرغ في كلية التربية(فرع جامعة الملك سعود بأبها). وفي عام 1401هـ انتقل إلى سكاكا نائباً لعميد كلية المعلمين ، ومديراً لقسم القبول والتسجيل، ومحاضراً فيها حتى عام 1413هـ، حيث بطلب التحويل إلى التعليم العام على المستوى السادس، فعمل في إدارة التعليم، ثم مديراً لثانوية الجزيرة، فمديراً لثانوية طبرجل، قبل أن يُعيّن مديراً لمكتب الإشراف التربوي بطبرجل عند افتتاحه عام 1418/1419هـ. كان – رحمه الله- قارئ نهماً ومثقفاً واعياً، يمتلك مكتبة خاصة مصغّرة تحوي على بعض الكتب والموسوعات، مما دفعه للتعاون مع دار الجوف للعلوم، حيث أدار الندوات والمحاضرات، وقدّم عدداً من البحوث، وترجم بعض الندوات إلى العربية. رحل أبو طارق جسداً لكنه باقٍ في الذاكرة أثراً وبصمة، تتحدث عنهما سيرته العطرة، وتشهد لهما مسيرته الحافلة بالعطاء. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.