مقبول – مرفوض.!
اتصل بي أكثر من طالب خلال الفترة الماضية، يجمعهم سؤال واحد: كيف يُمنع من الدراسة داخل وطنه بسبب معدل “مقبول”، ثم يُسمح له بالدراسة خارج المملكة على حسابه الخاص، وتعتمد شهادته بعد عودته بشكل رسمي؟ وهو سؤال لا يبدو سهلاً في ظاهره فقط، بل يكشف مفارقة تعليمية تستحق التوقف أمامها طويلاً، فالكثير من الجامعات السعودية، الحكومية والأهلية، ما زالت تضع المعدل الجامعي القديم بوصفه الحاجز الأهم أمام الراغبين في مواصلة تعليمهم العالي، حتى وإن كانت الدراسة برسوم مالية يتحملها الطالب بنفسه دون أن يكلف الدولة شيئاً. وقد يكون منطق المفاضلة مفهوماً حين تكون المقاعد محدودة والدراسة مجانية، لكن الصورة تختلف تماماً عندما يكون الطالب مستعداً لتحمل كامل التكاليف من ماله الخاص، لا طلباً لوظيفة، ولا سعياً إلى مزية إدارية، بل رغبة صادقة في إكمال تعليمه وتحقيق طموحه العلمي. والمفارقة الأكثر غرابة أن هذا الطالب نفسه يستطيع السفر إلى الخارج، والالتحاق بجامعة معترف بها، بعد الحصول على موافقة الملحقية الثقافية السعودية، ثم يعود لاحقاً بشهادة تتم معادلتها رسمياً داخل المملكة، رغم أن معدله الذي مُنع بسببه داخلياً لم يتغير. وهنا يبرز السؤال الطبيعي: إذا كانت الدولة تعترف بالشهادة الخارجية وفق ضوابطها النظامية، فلماذا لا يُمنح الطالب فرصة الدراسة ذاتها داخل وطنه؟ الأمر لا يتعلق هنا بخفض جودة التعليم كما قد يظن البعض، بل بإعادة النظر في فلسفة القبول ذاتها، وبخاصة في البرامج المدفوعة. فالمعدل الجامعي ليس دائماً المعيار الحقيقي لقدرة الإنسان على النجاح العلمي أو البحثي، إذ تختلف ظروف الناس، وتتفاوت مراحل النضج، وقد يتخرج الطالب في مرحلة عمرية مبكرة ثم تتغير قدراته واهتماماته بعد سنوات من الخبرة العملية والمعرفية. ومن غير المنطقي أن يبقى رقم حصل عليه الإنسان قبل عشرين أو ثلاثين عاماً حكماً دائماً يمنعه من تطوير نفسه بقية عمره، وكأن فرص التعليم العالي تُغلق مرة واحدة إلى الأبد. كما أن استمرار هذا النهج يدفع أعداداً كبيرة من الطلبة إلى الجامعات الخارجية، فتخرج ملايين الريالات سنوياً إلى مؤسسات تعليمية خارج المملكة، في الوقت الذي كان يمكن فيه أن تتحول هذه المبالغ إلى مورد مالي إضافي للجامعات السعودية نفسها، يدعم برامجها البحثية والتطويرية، ويمنحها مساحة أوسع للنمو والتنافس. واللافت أن الجامعات السعودية اليوم تتمتع باستقلالية إدارية ومالية أكبر من السابق، ما يعني أن مراجعة مثل هذه السياسات لم تعد أمراً معقداً كما كان في العقود الماضية. أما الإبقاء على أنظمة تجاوز عمر بعضها نصف قرن تقريباً دون مراجعة حقيقية، رغم تغير الواقع التعليمي والاقتصادي والاجتماعي، فهو أمر يستحق إعادة التفكير. فطلب العلم لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز مغلق لا يملكه إلا أصحاب الأرقام المرتفعة، لأن الحياة نفسها أثبتت أن كثيراً من الناجحين لم يكونوا دائماً من المتفوقين على الورق، وأن الإنسان قد يتغير علمياً وفكرياً بعد التخرج أكثر مما تغيره سنوات الدراسة كلها.