في ديوان "تستأنف الأنهار ضحكتها" للشاعرة ابتهال تريتر..
حين يتحول الماء إلى ذاكرة كونية للقصيدة.
ليس ديوان "تستأنف الأنهار ضحكتها" للشاعرة ابتهال تريتر مجرد مجموعة قصائد مودعة على ورق؛ إنه بيانٌ وجودي وصرخةُ استنهاض لروحٍ تأبى الانكسار. إنه كائنٌ حيٌّ يتنفس باللغة، ونبضٌ يرفض الاستقرار في شكل نهائي. النصوص هنا لا تستقر؛ إنها تتحرك، تتبدل، وتتكاثر، لتعيد تشكيل ذاتها باستمرار. نحن أمام شعرٍ لا يكتفي بوصف العالم، وإنما يعيد برمجته عبر لغةٍ تتصرف كالماء: تتخذ شكل الوعاء الذي توضع فيه، وتتبدل بحسب الضوء المسلط عليها. منذ الصفحات الأولى، نشعر أننا لا ندخل كتاباً تقليدياً، بل منظومةً شعرية متكاملة: شبكة من الأصوات والصور والنبضات. لغةٌ لا تمشي على الأرض فحسب، بل تتحرك في طبقات متعددة: صوتية، بصرية، حسية، وزمنية. والقصائد هنا لا "تقول" الأشياء بقدر ما "تطلق" عمليات تأويلية داخل وعي القارئ. وتعلن الشاعرة عن هذا التماهي الوجودي بين الإنسان واللغة في قصيدة "وحملتها وحدي"، فتقول: " أنا آدميَّتُكم على أعصَابِها غَنَّى البقاءُ وصفَّقَ الإحياءُ" إنها ليست متلقية للذاكرة فحسب، بل مُحيية لها. الفعل هنا فاعل ومباشر. والأرض التي يحييها الشاعر هي أرض الجرح والمنفى والانتظار. ولهذا يصبح عنوان الديوان نفسه مفتاحاً تأويلياً: "تستأنف الأنهار ضحكتها". فعل الاستئناف هنا ليس عودةً روتينية، وإنما إعادة تشغيل للحياة. كأن العالم كان متوقفاً، واللغة جاءت لتضغط زر الحياة من جديد. اللغة المتحركة وديناميكا المعنى أهم ما يميز هذا الديوان هو ما يمكن تسميته بـ "اللغة المتحركة". فالمعنى لم يعد نتيجة ثابتة للقراءة، بل أصبح مسار القراءة نفسه. الجملة تبدأ كصورة، ثم تتحول إلى إحساس، ثم إلى إيقاع، وأخيراً إلى فكرة فلسفية. تتجلى هذه الديناميكية بوضوح في البنية الفكرية التي تستلهمها الشاعرة، مستشهدةً بمقولة فيكتور هوجو التي وضعتها مدخلاً لقسم "توابيت الكلام: " "حين تعيق مجرى الدم في الشريان تكون السكتة، وحين تعيق مجرى الماء في النهر يكون الفيضان، وحين تعيق مستقبل شعب تكون الثورة." هنا، تتلاقى البيولوجيا مع الجغرافيا والسياسة داخل معادلة شعرية واحدة. القصيدة لا تصف الواقع فحسب، بل تصيغه في قانونٍ كوني. والجسد يتحول إلى نهر، والنهر إلى زمن، والزمن إلى تاريخ، والتاريخ إلى ثورة. وهو انتقال مستمر بين الحقول الدلالية، حيث يتولد المعنى من الحركة لا من الثبات. وتذهب الشاعرة أبعد من ذلك في قصيدة "الأرض"، حيث ترصد محاولات فرض المعنى الجامد على النهر المتدفق من الخارج: " يشذّبون حياة النهر مذ علموا أن انفجاراً عظيماً خلف رقصتها" فالذين يظنون أنهم يسيطرون على النهر بتشذيبه وتقويمه، لا يعلمون أن الانفجار الكامن خلف رقصته هو الحقيقة الأعمق والأكثر حيوية. الماء كنموذج معرفي وأنطولوجي للذات في الديوان، لا يعمل الماء كرمز شعري تقليدي فحسب؛ إنه يعمل كنموذج معرفي. خصائص الماء الفيزيائية تتحول إلى خصائص للغة وللذات الشاعرة. نقرأ في قصيدة "أنا ملء أجراسي" حواراً عميقاً مع الذات: "أقول لها: شمِّي عروقي تقول لي: أنا اشتُقَّ من مائي الحنينُ المؤفرقُ" هذا المقطع مفصليّ؛ فالذات هنا لا تشبه الماء، بل هي مشتقة منه. التحول جذري: الماء لم يعد موضوعاً خارجياً، بل أصبح أصلاً وجودياً للذات. الإنسان في شعر تريتر يصبح "نهراً مؤجلاً"، تتحدد هويته بقدرته على الجريان والتجاوز. وفي قصيدة "بهارات الحنين"، تتجاوز الشاعرة الماء كعنصر طبيعي إلى كونه شرطاً للحب ذاته: "الحب أن تلد الغمامة ماءها والماء يكتنف الحياة بغيومه" فالحب عند الشاعرة ليس شعوراً ساكناً، بل دورة مائية كاملة: غمامة تلد ماءها، وماء يكتنف الحياة بغيومه. وكأن العلاقة بين العاشقين هي تكثيف وتبخر وهطول، أي حركة دائمة لا استقرار فيها. وتضيف الشاعرة في قصيدة "وأستحيل بياضاً" إشارة إلى متاهتها الداخلية: "متاهتي لم تَزَل في جوفِ أسئلتي ولست ممن على التأويلِ يَقتَصدُ" إنها تعلن أن متاهتها ليست نقطة ضعف، بل مصدر للأسئلة التي لا تنضب، وأنها لا تقتصد في التأويل بل تغرف منه بلا حدود. وهذا التوتر الخلاق يولد الشعر، كما في مفارقتها الوجودية في قصيدة "أنا ملء أجراسي" أيضاً: "أنا ملءُ أجراسي وبوحي أخرسٌ فمن أين يأتيني الغناء المنمَّقُ؟" الشيفرة الإبداعية والبعد الهوياتي يعمل الديوان على مستوى عميق من الترميز، غير أن تريتر لا تغرق في كونية مجردة، وإنما تربط ماءها الكوني بذاكرة المكان والتاريخ. في قصيدة "ياقوتة المعنى"، تعلن الشاعرة انتماءها الجذري لأرض "كوش" ولأصولها الأفريقية والعربية معاً، متحديةً محاولات طمس الهوية: "أنا بنتُ "تهْراقَا" و"شاخيْتي" على تسعٍ وتسْعين ارتقت آمادي" هذا الربط بين "الماء الكوني" و"تاريخ كوش" يمنح النص ثقلاً مرجعياً واضحاً؛ فالماء لا يعود مجرد عنصر حياة، بل يصبح حاملاً للذاكرة ومقاومةً للنسيان. ويتقدس الماء في قصيدة "بشام" (الشجر المقدس في السودان)، حيث يرتبط بالقداسة والأرض: " خبّروا الأحجار أن الماء سلطان وأن الله عند الماء يا عصفور فاقرأ ما تيسر من حديث الماء للصخر" وهنا يتوحد الماء بالسلطان الإلهي، ويصبح النهر شبيهاً بالنبوة. وكلمة "بشام" ذاتها تحمل دلالة هوياتية عميقة، حيث تتحول الجغرافيا إلى أسطورة، والأسطورة إلى شعر مقاوم. الرؤية المائية: قصيدة "تستأنف الأنهار ضحكتها" نموذجاً إذا كان الديوان كله يشتغل على الماء بوصفه نموذجاً وجودياً ولغوياً، فإن قصيدة العنوان تمثل المختبر الأكثر كثافة لهذه الرؤية. هنا لا يظهر الماء كصورة شعرية عابرة، وإنما كبنية تحكم حركة القصيدة من بدايتها حتى نهايتها. الفعل المركزي في العنوان هو "تستأنف". وهو فعل زمني بامتياز؛ لا يشير إلى بداية مطلقة ولا إلى نهاية مكتملة، بل إلى عودة الحركة بعد انقطاع. وهذا الاختيار وحده يكشف أن القصيدة تُبنى على ثنائية خفية: الانقطاع والاستمرار. كأن النهر كان صامتاً، أو مجروحاً، أو محاصراً، ثم يبدأ فجأة في استعادة صوته. لكن اللافت أن ما تستأنفه الأنهار ليس جريانها، بل ضحكتها. وهنا يحدث الانزياح الأهم: الانتقال من الفيزيائي إلى الوجداني. الضحك فعل إنساني، وعندما يُنسب إلى النهر يتحول الماء إلى كائن حي يمتلك ذاكرة وانفعالاً وقدرة على التعافي. النهر هنا لا يجري فقط، بل يشفى. وتستمر القصيدة في هذا النبض الوجودي، فتقول: " مرّي على الطين موالاً وأغنية فمن يوسّع صدر الأرض إن ضاقا" هنا تتحول قصيدة العنوان إلى نداء: مرّي على الطين، أي على المادة الأولى، بموّال وأغنية. وكأن الشعر وحده قادر على توسيع صدر الأرض إذا ضاق. وتختم القصيدة بعودة مائية أخرى: "أنساك تستأنف الأنهار ضحكتها وتشتري لقميص الخوف أعناقا" النسيان هنا ليس فقدان ذاكرة، بل شرط لاستئناف الضحكة. والخوف يتحول إلى قميص يمكن شراء أعناق له، أي يمكن تجاوزه ومواجهته. بهذا المعنى، لا تعلن القصيدة عودة النهر فحسب، بل تعلن عودة القدرة على الفرح بعد زمن من الجفاف. الاستئناف هنا ليس حدثاً طبيعياً، وإنما حدثاً وجودياً: لحظة تعافي اللغة من صمتها، والحياة من انقطاعها. الشعر كإعادة تشغيل للعالم في خاتمة الديوان، تتبلور الرؤية عند قول الشاعرة: "الحب أن ننحني للعطر تشربنا حقوله فنشق الأرض تعطيراً" الانحناء هنا ليس خضوعاً، بل تحولٌ متبادلٌ بين الذات والعالم. ومع ذلك، فإن القراءة النقدية لا تنتهي عند الاحتفاء بهذه الرؤية، بل تتوقف عند سؤالها المركزي: هل يستطيع الشعر فعلاً إعادة تشغيل حساسية العالم، أم أنه يمنحنا فقط لغة جديدة لتخيل هذا الاحتمال؟ ربما تكمن قوة الديوان في إبقائه هذا السؤال مفتوحاً. فالماء الذي يستأنف ضحكته داخل النص لا يعد القارئ بخلاص نهائي؛ إنه يدعوه إلى المشاركة في حركة لا تتوقف. كأن اللغة كانت تعاني جفافاً طويلاً، فجاء هذا العمل ليعيد إليها دورتها المائية: تبخر، تكاثف، مطر، نهر، فيضان. لهذا لا تنتهي القراءة عند الصفحة الأخيرة. فالنهر الذي يستأنف ضحكته في وعي القارئ لا يعبر الضفاف، بل يعلّم اللغة كيف تصبح نهراً يحمل السؤال لا الجواب، والحركة لا الاستقرار.