لحظة الإلهام.
أكونُ قد آويتُ إلى مضجعي بعد يومٍ مُتعب، مرّت لحظاته: سعيدةً، ومكررةً، ومرهِقة. لكنّ جسدي في تلك اللحظة يريد الخلود إلى الراحة، وأن تُسربله سِنةُ النوم، بيدَ أنّ فكرةً مجنونةً تتشكل في ذهني جملها وحروفها كأنها كتابٌ مفتوح، فأنهضُ على عجل؛ خشيةَ أن تطير تلك الفكرة، وتغيب تلك السطور. فلماذا تقضّ هذه الأفكار مضاجعنا؟ إنّ الإلهام والإبداع هما، في حدّ ذاتهما، لحظةٌ من الجنون، لحظةٌ من اللامعقول. ولليل سكونٌ بديع، وهذا السكون يحرّك في النفس مكامن إبداعها، ويحثّها على الحديث. كما أنّ النوم رحلةُ الروح، وفي بدايته سِنةٌ تختلط بها العوالم والحيوات. ألم تشعر يومًا أنّ موقفًا تعرّضتَ له في حاضرك، قد عشته من قبل؟! لعلّك، في سِنة نومك، رأيت ما سيحدث لك في مستقبلك؛ لأن روحك كانت، عند نومها، تسبح في ملكوت الله. لذلك كان من الدعاء المأثور عند الاستيقاظ: “الحَمْدُ لِلهِ الَّذي أَحْيانًا بَعْدَ ما أماتَنا وَإليه النَّشور، الحمدُ للهِ الذي عافاني في جَسَدي وَرَدّ عَليّ روحي وَأَذِنَ لي بِذِكْرِه”. لذا، كانت تلك الأفكار من أصدق الأفكار وأكثرها إبداعًا؛ بل إنّ علماء في شتّى المجالات، تكوّنت أفكار اختراعاتهم واكتشافاتهم في تلك اللحظة. فكم من شاعرٍ صاغ أصدق وأعذب أبياته في تلك اللحظة، وكم من كاتبٍ كانت شخصيات روايته التي خلّدته، تداعبه وتحاكيه في تلك اللحظة! بل ألم يكتشف “أوغست كيكوله” حلقة البنزين في تلك اللحظة؟ إنها لحظةٌ تُعدّ من أصدق اللحظات وأصفاها، دُوّنت عنها الأساطير والحكايات، وما زالت تُروى، بل إنّ بعضها دخل في معتقدات الشعوب والشرائع والملل في شتّى البقاع. ولكن الحقيقة الفاصلة هي: أنّ لحظة الإلهام من اللحظات النادرة، التي تُخلّد صاحبها حين يغتنمها.