في كتاب « صور من فنون العمارة » للزبير مهداد ..

فنون البناء في الدرعية صنعت هوية عمرانية متكاملة .

صدر عن معهد الشارقة للتراث كتاب «صور من فنون العمارة (شمال إفريقيا والشرق الأوسط)» للدكتور الزبير مهداد، ليشكّل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية في مجال توثيق التراث المعماري واستحضار قيمته الحضارية والإنسانية. فالكتاب لا يكتفي بعرض نماذج من العمارة التقليدية في منطقتين واسعتين هما شبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا، بل يقدّم رؤية فكرية وثقافية تؤكد أن العمارة ليست مجرد مبانٍ أو أشكال هندسية جامدة، وإنما ذاكرة حيّة تختزن تاريخ الشعوب وقيمها وأنماط عيشها وعلاقتها بالبيئة والمكان. يمضي المؤلف في هذا العمل عبر مسار غني بالمقالات واللقطات التوثيقية التي تجمع بين الوصف التاريخي والتحليل المعماري والتأمل الثقافي، فيقدّم للقارئ رحلة ممتعة وعميقة داخل العوالم العمرانية للمنطقة، حيث تتجاور القصور الطينية والحصون والأسوار والمدارس العتيقة والأحياء التاريخية، لتروي جميعها قصة الإنسان في بحثه الدائم عن الأمان والجمال والانسجام مع الطبيعة. يفتتح الدكتور الزبير مهداد كتابه برؤية فلسفية تؤكد أن العمارة تمثل واحدة من أهم الوثائق الحضارية القادرة على إعادة بناء تصورنا عن الماضي. فالمباني القديمة ليست مجرد آثار صامتة، بل هي سجل اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي يكشف طبيعة المجتمعات التي شيدتها، ومستوى تطورها، وقيمها الجمالية والروحية. ويبرز المؤلف الدور المحوري الذي لعبته المواد المحلية في العمارة التقليدية، وفي مقدمتها الطين، إلى جانب الحجر والآجر والخشب وجذوع النخل. وقد استطاع الإنسان عبر القرون أن يطوّع هذه المواد البسيطة ليشيّد مساكن ومدناً تتلاءم مع الظروف المناخية القاسية، من حرارة الصحراء إلى ندرة المياه والرياح القوية. ومن هنا تبدو العمارة التقليدية نموذجاً مبكراً لما يعرف اليوم بالاستدامة البيئية، إذ قامت على الاستفادة الذكية من الموارد المحلية وعلى الانسجام مع المحيط الطبيعي. بنية الكتاب ومحاوره يتألف الكتاب من 280 صفحة، تتوزع مباحثه على قسمين اثنين: خصص قسمه الأول لفنون العمارة في شبه الجزيرة العربية، حيث يتوقف عند عدد من النماذج المعمارية التي تعكس خصوصية البيئة الخليجية وغناها الحضاري. منها الدرعية وعمارتها الطبينية، درسها المؤلف باعتبارها أحد أهم الشواهد على العمارة النجدية التقليدية التي ارتبطت بتاريخ الدولة السعودية الأولى. فالطين والجص والأثل لم تكن مجرد مواد للبناء، بل عناصر صنعت هوية عمرانية متكاملة تتسم بالبساطة والصلابة والقدرة على مقاومة المناخ الصحراوي. كما يتناول الكتاب العمارة الحربية في السعودية والإمارات، متوقفاً عند الأسوار والحصون والقلاع والأبراج التي شكّلت عبر التاريخ وسيلة لحماية السكان والدفاع عن الأرض. ويعرض المؤلف نماذج متعددة مثل أسوار الدرعية وأبراجها، وحصون عسير، وقلعة الفهيدي في دبي، مبيناً ما تحمله هذه المنشآت من دلالات سياسية واجتماعية، إلى جانب قيمتها الجمالية والمعمارية. وفي السياق ذاته، يسلط الضوء على العمارة الكويتية المرتبطة بالبحر، وعلى العمارة الطينية الإماراتية بما تتضمنه من عناصر زخرفية وتفاصيل معمارية تعكس الذوق المحلي والاحتياجات البيئية. كما يفرد مساحة مهمة للحديث عن «الحوش» في البيت الخليجي القديم، بوصفه فضاءً اجتماعياً ومناخياً يؤدي وظائف متعددة، من التهوية الطبيعية إلى تعزيز الروابط الأسرية وحماية الخصوصية. ويختتم هذا القسم بفصول ذات طابع ثقافي وفني، من بينها فصل عن حصن الشارقة كما استحضره الشيخ الدكتور سلطان القاسمي في كتاب «سرد الذات»، حيث تتحول العمارة إلى عنصر من عناصر الذاكرة الشخصية والوطنية. كما يتناول حضور العمارة الإماراتية في أعمال الفنان التشكيلي عبدالقادر الريس، مبيناً كيف تتحول الأبواب والنوافذ والأحياء القديمة إلى رموز بصرية تعبّر عن الحنين والهوية والانتماء. في القسم الثاني، ينتقل الكتاب إلى فضاءات شمال إفريقيا، حيث تتجلى العمارة التقليدية بوصفها مرآة لتنوع البيئات والثقافات، وفي الوقت نفسه دليلاً على عمق التواصل الحضاري بين المنطقتين. ويبدأ المؤلف بقصور ميزاب الجزائرية التي تمثل نموذجاً فريداً للعمارة الإباضية، حيث تتداخل الوظائف الدفاعية والدينية والاجتماعية في نسيج عمراني متماسك. ثم يأخذ القارئ إلى الواحات المغربية والقصور الطينية المحصنة التي تعكس قدرة الإنسان على التكيف مع الطبيعة الصحراوية القاسية. كما يتناول المخازن الجماعية المحصنة المنتشرة في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب والسعودية، مبرزاً أوجه التشابه بينها رغم اختلاف التسميات المحلية، وهو ما يعكس وحدة الحاجات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات التقليدية. ويتوقف الكتاب كذلك عند البناء بالحجارة الجافة في المغرب وموريتانيا، وعند الوظائف المتعددة للقناطر، قبل أن يخصص صفحات مميزة للمدارس الأثرية في مدينة فاس المغربية، حيث تتجلى روائع الزخرفة الإسلامية من زليج وجبس وخط عربي ونقوش نباتية وهندسية، بما يعكس تداخلاً فريداً بين الفن والروحانية. أما خاتمة هذا القسم فتأخذ القارئ إلى مدينة الدار البيضاء، مقدمة رؤية بانورامية لتحولاتها المعمارية خلال قرن كامل، وكيف انتقلت المدينة من فضاء تقليدي إلى مدينة حديثة تحتفظ رغم ذلك ببعض ملامح هويتها الأصلية. كتاب يجمع بين التوثيق والتحليل يعتمد الدكتور الزبير مهداد في هذا الكتاب منهجاً وصفياً تحليلياً مدعوماً بالمقارنة والتوثيق التاريخي، مستفيداً من شهادات الرحالة والمؤرخين والمراجع المتخصصة. ولا يقتصر اهتمامه على وصف الأشكال المعمارية أو تعداد عناصرها الفنية، بل يتجاوز ذلك إلى استكشاف أبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية. ومن أبرز ما يميز الكتاب قدرته على الكشف عن أوجه التشابه بين العمارة الخليجية وعمارة شمال إفريقيا، سواء من حيث مواد البناء كالطين والحجارة وجذوع النخل، أو من حيث التصاميم المعمارية مثل نظام الحوش الداخلي، والأزقة الملتوية، وأنظمة التهوية الطبيعية. ويؤكد المؤلف من خلال هذه المقارنات أن العلاقات بين المنطقتين لم تكن مجرد صلات تجارية عابرة، بل تواصل حضاري عميق ساهم في انتقال الأفكار والأنماط العمرانية عبر القرون. كتاب يستحق القراءة والاحتفاء يخاطب الكتاب طيفاً واسعاً من القراء، من المهندسين والمعماريين والباحثين في التراث والتاريخ، إلى القارئ العادي الذي يبحث عن فهم أعمق لهوية المكان وجمالياته الأصيلة. يطرح المؤلف قضية الحفاظ على التراث المعماري في زمن يشهد تحولات عمرانية متسارعة. ويعبّر بوضوح عن قلقه من هيمنة أنماط البناء الحديثة القائمة على الإسمنت والزجاج والأبراج المرتفعة، والتي كثيراً ما تتجاهل خصوصية البيئة المحلية والهوية الثقافية. ويدعو إلى إعادة تثمين العمارة الطينية والحجرية التقليدية بوصفها نماذج ناجحة للاستدامة والانسجام البيئي، يمكن أن تلهم المعماريين والمخططين المعاصرين في البحث عن حلول تجمع بين الأصالة والحداثة. ويُحسب للكتاب أيضاً توظيفه للنصوص الأدبية والفنية بوصفها شاهداً على حضور العمارة في وجدان سكان المنطقة، كما يظهر في استحضار أعمال الفنان عبدالقادر الريس ومذكرات الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، حيث تتحول العمارة إلى ذاكرة شخصية وجماعية تحفظ تفاصيل الحياة اليومية وروح المكان. والكتاب غني بالصور التوضيحية، إلى جانب قوة اللغة ودقة الوصف تجعل القارئ قادراً على تخيّل تفاصيل القصور والحصون والأزقة والمدارس العتيقة بكل وضوح. وهذا ما يمنح الكتاب قيمة أدبية إضافية، حيث تتحول الكلمات إلى صور حيّة تنبض بروح التاريخ. *الرباط