« تجربتي في الحج » سردية روحية لحاج أسترالي ..

رحلة غير مألوفة من الريف الأسترالي إلى عرفات .

يقدّم الكاتب الأسترالي نيكولاس هيوز في كتابه هذا « تجربتي في الحج» رحلة أسترالي أبيض من أصول أنجلوسكسونية إلى مكة والمدينة« مذكّرات حج غير مألوفة للقارئ العربي؛ فالحاج هنا ليس مسلماً عربيّاً أو آسيويّاً كما اعتدنا في أدب الحج والمناسك، بل «أسترالي أبيض أنجلوسكسوني» نشأ في بيئة ريفية مسيحية، ثم قادته مسارات العمل والحياة في العالم العربي وجنوب شرق آسيا إلى الإسلام، وإلى شوقٍ عميق لأداء الفريضة الخامسة. يقع الكتاب في نحو 102 صفحة، صدر بالإنجليزية عن دار نشر سنغافورية في فبراير 2013م، ويتوزع على ثلاثة أقسام رئيسة: خلفية تاريخية وفقهية عن الحج، ثم يوميات مفصّلة لرحلته إلى مكة والمدينة مع زوجته الإندونيسية «فاطمة» وابنتهما «نيسيا» عام 1992، وأخيراً تأملات في الدلالات الروحية لكل شعيرة من شعائر الحج. في القسم الأول يشرح هيوز نشأة الحج وأصوله منذ إبراهيم عليه السلام وبناء الكعبة، مروراً بعصر الجاهلية، ثم إعادة النبي صل الله عليه وسلم توحيد المناسك لله وحده بعد فتح مكة. يعرض هذه الخلفية بلغة مبسطة تستهدف بالدرجة الأولى القارئ الغربي الذي قد لا يعرف الكثير عن الإسلام، فيتوقف عند مفهاهيم مثل الإحرام والمساواة بين الحجاج، والفروق بين العمرة والحج، والتقويم الهجري، وغيرها من المعلومات الأساسية. قيمة هذا القسم للقارئ العربي ليست في ما يضيفه من معلومات، فهذه معروفة في المراجع العربية، بقدر ما تكمن في طريقة تقديمها لعقل غربي: المؤلف يسعى إلى نزع الغرابة عن الإسلام وشعائره، فيستخدم مقارنات من تجربته المسيحية السابقة، ويستحضر أقوال رحّالة غربيين قدامى مثل ريتشارد برتون، لكنه ينتقد اقتصارهم على الوصف التاريخي والسردي للحج، ويؤكد أن كتابه يحاول التركيز على البعد الروحي الداخلي للتجربة. أما القسم الثاني، وهو الأوسع والأكثر حيوية، فيأتي في صيغة يوميات تبدأ من لحظة وصوله إلى جدة، ثم الاستعدادات للإحرام والعمرة، فالدخول المهيب إلى المسجد الحرام والطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والانتقال إلى منى وعرفات ومزدلفة، ثم أيام التشريق ورمي الجمرات، وطواف الوداع، وأخيراً زيارة المدينة المنورة والصلاة في الروضة الشريفة وزيارة المعالم التاريخية فيها. هذا السرد اليومي يمنح القارئ إحساسًا بالمشاركة؛ إذ ينقل المؤلف مشاهد الزحام الهائل، وتنوّع الجنسيات واللغات، والتنظيم والنقل والإقامة، كما يدوّن لحظات تعب مفاجئ، أو توتر ناتج عن مشاكل في استعداداته، ثم ما يعقبها من سكينة روحية وطمأنينة. يصف مثلاً وقوفه في عرفات بأنه لحظة يشعر فيها بأن «الحج يمنح إحساساً عميقاً بالسكينة ويعزز التواضع والقرب من الله»؛ وهي خلاصة روحية تتكرر بصيغ مختلفة على امتداد صفحات الكتاب. اللافت في هذه اليوميات أنها لا تميل إلى الوعظ أو الخطاب الدعوي المباشر؛ فهيوز يصرّح في أكثر من موضع أنه لا يسعى إلى «التبشير بفضائل الإسلام» بقدر ما يريد أن يقدّم تجربة شخصية يمكن أن تقرّب الحج إلى ذهن القارئ الغربي وتفتح باب الفهم المتبادل بين الأديان والثقافات. لذلك نجده يشرح – بهدوء وحياد – مفاهيم مثل الذبح الحلال، وأسباب الفصل بين الرجال والنساء في بعض المواقف، وأهمية الطهارة، وأحكام الزكاة والأضحية، مستنداً إلى مصادر معاصرة وكلاسيكية يوردها في ببليوغرافيا مفصّلة في نهاية الكتاب. القسم الثالث يقدّم نوعًا من «الدليل الروحي» للحج؛ إذ يعيد المؤلف ترتيب الشعائر واحدةً واحدة، من الإحرام حتى الوداع، مع تلخيص لمعانيها الباطنة كما فهمها هو من خلال التجربة والقراءة. هنا تظهر قدرة هيوز على الربط بين النصوص الرئيسية – القرآن والسنة – وبين خبرة الحاج المعاصر الذي يعيش في عالم سريع الإيقاع، ويبحث عن معنى يعيد ترتيب علاقته بنفسه وبالآخر وبالله. يقدّم مثلًا قراءة للحج باعتباره «رحلة عمر ثانية» أو «هجرة داخلية» أكثر من كونه رحلة جغرافية قصيرة. أسلوب الكتاب بسيط ومباشر، يخلو من التعقيد الأكاديمي، وهو ما يجعله مناسباً لغير المتخصصين في الدراسات الإسلامية. ومع ذلك قد يشعر القارئ العربي الملمّ بالفقه والتاريخ أن المؤلف ربما عالج بعض القضايا الفقهية بسرعة أو بسطحية، وأنه يركّز على الانطباع الشخصي أكثر من الأراء الفقهية. لكن هذه «السطحية» هي من طبيعة الكتاب؛ فهو في الأصل يوميات حاج أجنبي يسجّل دهشته وانفعالاته، لا دراسة فقهية أو بحثاً تاريخيّاً. من زاوية سعودية وعربية، تكتسب هذه المذكرات أهمية إضافية؛ فهي تقدّم صورة الحج كما يراه «الآخر» الغربي من الداخل لا من وراء شاشات الأخبار. من خلال عيون هذا الحاج الأسترالي نلمح عظمة التنظيم، وإدارة الملايين في رقعة جغرافية محدودة، إضافة إلى استعراض المؤلف لبعض المشكلات كما يراها في جوانب مختلفة مثل الازدحام أو السلوكيات الفردية لبعض الحجاج وكذلك الخدمات في ظل هذا الازدحام. هذه الملاحظات، وإن جاءت عابرة، تذكّر القارئ بأهمية النظر النقدي إلى التجربة لتحسينها باستمرار. على الرغم من الكتاب يوثق يوميات وانطباعات شخصية، إلا إنه غني بالدلالات؛ فهو يجمع بين وظيفة التعريف بالإسلام وشعيرة الحج للقراء الغربيين، وبين تسجيل تجربة روحية إنسانية يمكن أن يتفاعل معها القارئ المسلم أيضاً، لأنه يجد فيها صدى لتجربته أو حلمه الشخصي بالحج، ولكن من زاوية جديدة تماماً. بالنسبة للقارئ العربي والسعودي خاصة، يقدّم الكتاب فرصة لقراءة الحج في مرآة أخرى، ولفهم كيف يمكن لهذه الفريضة أن تكون جسراً حقيقيّاً للتواصل بين الشرق والغرب حين تُروى بصدق وتجرد وإنصاف.