تمام الكلام، أنَّها ليست في المسجد الحرام.
يتكرَّر نشر هذه الصُّورة بين حينٍ وحين في وسائل التواصل (صورة 1)، وتزداد وتيرة التَّكرار عادةً مع كلِّ موسم حج. ويُشار إلى أنَّ الصورة في المسجد الحرام بمكة المكرَّمة وأنَّها لأوَّل عيد أضحى دستوري في مكة، ويظهر فيها على المنبر الشيخ أحمد بن عبد الله مرداد، شيخ الأئمة والخطباء، فيما يتقدَّم الصُّفوف الشريف حسين بن علي، شريف مكة، بعمامته السوداء التي درج على ارتدائها في المناسبات الدينية. وقد لقيت الصُّورة رواجًا لأسبابٍ بريئةٍ مثل السُّرور بصورة تاريخيَّة للمسجد الحرام وأئمته، أو لأسبابٍ ليست ذات براءة. وكان تبنِّي البعض لها في مواقع لها تقدير، ما أضفى عليها بعض مصداقيَّة، وربَّما كان من أوائل من عرَّف بالصُّورة مؤكِّدًا صحَّتها ومعلوماتها، مدوِّن معروف (لم أستطع الوصول إلى مدوَّنته ولا إلى معرفة تاريخ نشر الموضوع، وإن كانت هناك دلائل تشير إلى أنه حوالي عام 2011م، ووجدت النص في موقع الأستاذ محمد سعيد طيِّب، مشيرًا إلى المدونة كمصدر). وأشار المدوِّن إلى أن تاريخ الصورة كان مفصليًّا في تاريخ مكة المكرَّمة والحجاز، والخلافة العثمانية، وإلى أنَّه “بقليلٍ من التحليل وربط الأحداث التاريخيَّة ببعضها وإحياء سرديَّات المراجع والكشوف الرسميَّة لتلك الحقبة، يمكن أن نصل الى تفكيك مُرضي للحدث التاريخي” الذي تشير إليه الصورة. وكان التحليل طويلاً تعرَّض فيه لحتميَّة وجود شخصيَّاتٍ مكيَّةٍ بارزةٍ ضمن الحضور. كان من أوائل المنبرين لدحض الصورة ومعلوماتها الأستاذ بدر بدرة في مقالٍ من إعداده بعنوان “المسجد الحرام.. والصورة المزعومة”، نشره على موقع قبلة الدُّنيا بتاريخ 21/4/2020م، وأوضح فيه أن الصُّورة نشرت ربَّما أساسًا في صحيفة (L’Illustration) الفرنسية، في عددها رقم (3428) بتاريخ 7/11/ 1908م، حيث كانت ضمن تقريرٍ عن مكة المكرمة وفريضة الحج وجزء من التاريخ الإسلامي تضمَّن خلطًا مع صور ورسومات لمكة المكرمة والحج. ورجَّح الأستاذ بدر بدرة أن الأشخاص الظاهرين في الصورة هم من العراق، وأن الظاهر في مقدِّمة الصُّفوف ليس الشريف حسين، وأن الصُّورة ليست في المسجد الحرام، وركَّز تحليله على مقارنة صورة المنبر بالصور الأصح لمنبر المسجد الحرام. كما أكَّد الدكتور الشريف عصام الهجاري في تدوينةٍ له على منصة X بتاريخ 31/7/2020م أنَّ الصورة لصلاةٍ للشيعة في العراق يتقدمهم المرجع الشيعي محمد حسن الشيرازي، وأرفق مقالةً سابقةً له، تحدَّث فيها بإتقان معلِّقًا على ما كتبه الأستاذ الصَّباغ. تطاول الزَّعم المتعلِّق بالصورة إلى أنَّها وبموافقة الملك عبد العزيز، لأَّول مرة يصلي فيها الشيعة جماعةً في بيت الله الحرام، وهو كلام مردود. ومن المؤسف أنْ أصبحت للصورة مصداقيًّةً جعلتها تتصدَّر الكتب مثل هذا الكتاب (صورة 2): “الحج والسياسة والوباء: الحج من شبه القارة الهندية” Pilgrimage, Politics and Pestilence: The Haj from the Indian Subcontinent. أتعرَّض هنا من منظور تحليل الصُّورة الأصليَّة، مؤكِّدًا أنَّها ليست في مكة المكرمة، ولا المسجد الحرام، ولا عيد الأضحى، بالإضافة إلى أن من أشير إليهما ليس الشيخ ولا الشريف. وابتداءً، يرجع تاريخ الصورة إلى ديسمبر 1908م، وهو لا يوافق شهر ذي الحجة، بل ذي القعدة عام 1326هـ. وعيد الأضحى ذلك العام يوافق 2 يناير 1909م. ولا يبدو في الصورة أيٌّ من معالم المسجد الحرام الأبرز كالكعبة المشرَّفة ومقام إبراهيم. يؤكِّد ذلك بوضوحٍ جانب الصورة الذي يُظهر غلَبة فئةٍ معيَّنة من النَّاس، وملامح الشَّريف المزعوم، كما تبرز تفاصيل المنبر الذي يقف عليه الخطيب، طفلٌ خلف الخطيب! وعند الرُّجوع إلى الصُّورة الأصليَّة والتي نشرت في مجلَّة L’Illustration الفرنسيَّة (صورة 3)، نجدها تحمل أيضًا صورةً مًقابلةً تبرز وجه الخطيب كما يبدو بملامحه غير المكيَّة، وبخلفيَّةٍ لا تتماشى مع الفراغ الذي يبدو خلفه في الصُّورة. ونص التعليق على الصورة “الصلاة عند الكعبة. — في الزاوية يظهر الإمام الأكبر، وهو نفسه الذي يُرى من الخلف في المقدمة، وهو يعطي إشارة بدء الصلاة”! (صورة 4). تنشر المجلَّة صورةً أخرى (صورة 5)، وبمقارنة الصُّورتين يظهر جليًّا أنهما في مكانٍ واحد، هو بالتأكيد ليس المسجد الحرام وإنَّما ربَّما في مناسبةٍ شيعيَّة في الصَّحن الحسيني بـكربلاء بالعراق في بداية القرن العشرين. وسعدت أنَّ هذه النتيجة مضمَّنة في كتاب جوزيف بارفيت “بلاد ما بين النهرين الرائعة: أرض العجائب في العالم”. (Marvellous Mesopotamia the World’s Wonderland.)، حيث وضع تعليقًا على الصُّورة: “يوم رأس السنة في مدينة كربلاء المقدسة. نحو 20,000 رجل يؤدون الصلاة في الشارع الرئيسي للمدينة. يقود كبير المجتهدين الصلاة، بينما يقوم الرجلان الواقفان على المنصّات بإيصال حركات المجتهد إلى الجموع.” (صورة 6، 7).