أصدر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية كتاب «المصادر» للإمام أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي (ت: 189هـ)، وذلك ضمن إصدارات مجلة الدراسات اللغوية، في طبعة علمية مستقلة، بعد أن كان الكتاب قد نُشر سابقًا في صورة بحث علمي في أحد أعداد المجلة. وقد جاءت إعادة إخراجه في كتاب مستقل تقديرًا لقيمته العلمية، وأهميته الخاصة في تاريخ الدرس اللغوي والصرفي المبكر. ويُمثّل هذا الكتاب واحدًا من النصوص اللغوية النادرة التي تعود إلى القرن الثاني الهجري، وهي مرحلة تأسيسية في نشأة علوم العربية وتقعيدها، حيث أسهم أعلام تلك الحقبة في وضع اللبنات الأولى للبحث النحوي والصرفي، وصياغة القواعد التي شكّلت لاحقًا أساس الدرس اللغوي في القرون التالية. ويأتي نشر هذا الكتاب ليكشف عن جانب مهم من إسهام المدرسة الكوفية في هذا المسار العلمي المبكر. وقد تولّى تحقيق الكتاب الدكتور جابر بن عبدالله بن سريع السريع، معتمدًا على نسخة فريدة محفوظة ضمن مجموع في مكتبة السليمانية، حيث بذل جهدًا علميًّا دقيقًا في نسخ النص وضبطه وتحريره، مع العناية بتوثيق مسائله النحوية والصرفية واللغوية، والتنبيه على أوهام النسّاخ، وشرح المواضع الغامضة، وربط القضايا الواردة فيه بنظائرها في كتب العربية المبكرة، بما يلبّي متطلبات التحقيق العلمي، ويعيد تقديم النص في صورة أقرب إلى أصله، وأكثر وضوحًا وفائدة للدارسين. ويُعَدُّ الكسائي من أبرز أئمة الكوفة وعلمائها، ومن كبار علماء العربية في القرن الثاني الهجري، فضلًا عن مكانته المرموقة في علم القراءات، إذ تُعَدّ قراءته إحدى القراءات المتواترة التي تلقّتها الأمة بالقبول. وقد كان للكسائي أثر بالغ في تطوّر التفكير اللغوي، سواء من خلال آرائه أو من خلال ما تركه من مصنفات أسهمت في إثراء الدرس النحوي والصرفي، ووسّعت من آفاق النظر في بنية اللغة العربية. وتكتسب هذه الطبعة أهميتها من كون كتاب «المصادر» قد ظلّ معروفًا في كتب التراجم وطبقات العلماء، من دون أن يُشار إلى وجود نسخة محققة له متداولة بين الباحثين، الأمر الذي جعل مادته بعيدة عن التداول العلمي قرونًا طويلة. ويأتي هذا الإصدار ليُعيد إحياء نص لغوي مبكر، ويضعه في متناول الباحثين والمهتمين بتاريخ العربية، بعد أن كان حبيس الإشارات والنقول غير المباشرة. ويتميّز الكتاب بانفراد الكسائي بذكر خمسة وأربعين مصدرًا لم يسبق أن تناولها من تقدّمه من النحاة، إضافة إلى آرائه الخاصة في صوغ بعض المصادر، وذكره أوزانًا صرفية وافق في بعضها سيبويه، وخالفه أو زاد عليه في بعضها الآخر، وهو ما يعكس استقلال شخصيته العلمية، ويبرز قيمة الكتاب بوصفه شاهدًا حيًّا على تنوّع مناهج البحث اللغوي في القرن الثاني الهجري، وعلى الحوار العلمي المبكر بين أعلام المدرستين الكوفية والبصرية. ويأتي صدور هذا الكتاب في سياق عناية مركز الملك فيصل بإحياء التراث اللغوي العربي، ونشر النصوص الأصيلة التي تسهم في تعميق فهم تطوّر علوم العربية، وتكشف عن مراحل تشكّلها الأولى، بما يدعم البحث العلمي المتخصص، ويُثري المكتبة العربية بمصادر محققة ذات قيمة علمية راسخة.