زيارة لـ « أرض الأحلام » في بداية القرن الـ 19 ..
« عمر ياماوكا » .. أول حاج ياباني يوثّق رحلته إلى بيت الله الحرام .
بين صليل السيوف في حروب القياصرة وبين تراتيل الطواف في رحاب مكة، تمتد سيرة «ميتسوتارو ياماوكا» كخيط حرير يربط بين كبرياء الساموراي وسكينة الإيمان، فلم يكن هذا الرجل مجرد عابر سبيل في التاريخ، بل كان بوصلة أخلاقية وجهت الوعي الياباني نحو فضاءات الإسلام الروحية، وذلك في لحظة فارقة من عصر الميجي الذي كان يبحث فيه الأرخبيل عن ذاته بعيداً عن الهيمنة الغربية. إن قصة ياماوكا أو الحاج عمر ياماوكا ليست مجرد تأريخ لرحلة جغرافية، بل هي هجرة وجدانية بدأت من ميادين اللغة الروسية وانتهت عند أعتاب الكعبة المشرفة، ليكون بذلك أول ياباني لا يكتفي بأداء الفريضة فحسب، بل يسكب تجربته في قوالب أدبية وفكرية أضاءت دروب الإسلام في بلاد الشمس المشرقة. لحظة مفصلية لم تكن نشأة ياماوكا في مقاطعة هيروشيما عام 1880 توحي بأن هذا الشاب سيكون يوماً ما “عمر” الذي تهتف روحه بالتلبية، فبعد تخرجه من مدرسة طوكيو للغات الأجنبية متخصصاً في اللغة الروسية، انخرط في أتون الحرب اليابانية ـ الروسية كجندي متطوع ومترجم حربي، وهي التجربة التي صقلت وعيه بضرورة البحث عن معنى يتجاوز ضجيج المدافع. وفي عام 1909، وتحديدًا في مدينة بومباي الهندية، وقع اللقاء الذي غيّر مجرى حياته، حيث التقى بالداعية التتري الفذ عبدالرشيد إبراهيم، الذي كان حينها في طريق عودته من اليابان متوجهاً إلى الديار المقدسة. هذا اللقاء لم يكن حواراً لغوياً فحسب، بل كان تمازجاً ثقافياً عميقاً، حيث رأى ياماوكا في شخصية إبراهيم وخطابه تجسيداً لقيم أخلاقية عليا كان يفتقدها في خضم الصراعات السياسية. في تلك اللحظة المفصلية، وبحثاً عن إيمان كامل لا تشوبه شائبة، أعلن ياماوكا إسلامه على يد الشيخ عبدالرشيد، الذي لقنه الشهادة ثلاث مرات، واختار له اسم عمر تفاؤلاً بشخصية الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). لم يكن إسلام عمر ياماوكا قراراً انفعالياً، بل كان نتاج سعي دؤوب لتعلم جوهر الدين بتأنٍ، حيث عكف في بومباي على دراسة أركان الإسلام، والوضوء، والصلاة، متردداً على المساجد والمدارس بصحبة معلمه، حتى شهد له الشيخ إبراهيم في مذكراته بأنه “كان يسعى ليكون مسلماً كامل الإيمان”. هذا السلوك الروحاني في الهند كان بمثابة البوابة التي عبر من خلالها الساموراي السابق إلى فضاءات النور، مستعداً لخوض غمار رحلة لم يسبقه إليها أحد من بني قومه في العصر الحديث. وميض الحج الأول في أواخر عام 1909، انطلق عمر ياماوكا مرافقاً لمعلمه الشيخ عبدالرشيد في رحلة تاريخية صوب مكة المكرمة، ليُسجل اسمه في ديوان التاريخ كأول حاج ياباني يطأ الثرى المقدس ويؤدي مناسك الحج. كانت الرحلة بالنسبة لياماوكا أكثر من مجرد انتقال مكاني؛ كانت عملية توثيق لدهشة اللقاء الأول بين الثقافة اليابانية والمركزية الروحية الإسلامية. لم يكتفِ عمر بالمشاهدة، بل شرع في تدوين أدق التفاصيل، فزار مكة والمدينة، ثم امتدت رحلته لتشمل دمشق، والقدس، والقاهرة، وإسطنبول، قبل أن يعود إلى اليابان عبر روسيا في عام 1910، محملاً بفيض من المشاهدات التي ستشكل نواة وعي إسلامي جديد في بلاده. كلمات ياماوكا في وصف تجربته في الأراضي المقدسة كانت تعبيراً عن مسؤولية استشعرها تجاه دينه الجديد، حيث قال في كتابه “يوميات رحلة في جزيرة العرب”: “شعرت بمسؤولية جسيمة تقع على عاتقي؛ لأن اعتناق الإسلام ليس بالأمر السهل”. في عام 1912، أصدر كتابه الشهير “سجل طولي لبلاد العرب”، وهو الكتاب الذي نال شرف العرض على الإمبراطور ميجي والإمبراطورة شوكن، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية والثقافية التي حظيت بها رحلته في أعلى المستويات السياسية في اليابان. لقد كان ياماوكا في رحلته تلك ينسج خيوطاً من المعرفة حول المشاعر المقدسة التي وصفها بأنها “أرض أحلامه”، ناقلاً صورة حية عن الحرمين الشريفين إلى عقول اليابانيين التي كانت تتوق لاكتشاف العالم آنذاك. شمس الفكر في اليابان لم ينتهِ دور ياماوكا بانتهاء رحلته، بل بدأت مرحلة الدعوة إلى الإسلام في ربوع الأرخبيل الياباني، حيث تنقل بين المدن والقرى اليابانية ملقياً المحاضرات والندوات حول الإسلام وتجربته في مكة. لقد كان ياماوكا يؤمن بأن الإسلام ليس غريباً عن الروح الشرقية، فعمل على تقديم الدين بأسلوب يتماشى مع التقاليد اليابانية لتقليل التوجس منه، بل وحاول إيجاد نقاط تماس أخلاقية بين الإسلام والقيم اليابانية الأصيلة. لم تقتصر جهوده على الوعظ، بل امتدت لتشمل العمل المؤسسي، حيث ساهم بعد عودته من رحلات طويلة في مصر وتركيا في عام 1947 بإنشاء أول جمعية إسلامية في اليابان، واضعاً حجر الأساس لوجود إسلامي منظم في بلاده. إنتاج ياماوكا الفكري كان غزيراً وعميقاً، حيث ألف ما يقرب من 10 مؤلفات تناولت قضايا شائكة وحيوية، من أبرزها كتابه “الإسلام واليهودية” الذي حلل فيه التحديات التاريخية التي واجهت الرسالات السماوية، كما عمل مراسلاً لصحيفة “أساهي” اليابانية في القاهرة لسنوات طويلة، مما أتاح له أن يكون عيناً يابانية ترصد نبض العالم الإسلامي من الداخل، وتنقله بصدق إلى القارئ الياباني. إن سيرة عمر ياماوكا تتجاوز فكرة الريادة التاريخية في أداء الحج، لتكون دراسة في تحول الهوية وإعادة اكتشاف الذات عبر الآخر، وحتى وفاته في 23 سبتمبر 1959، ظل عمر ياماوكا يمثل ذلك الجسر القوي الذي لم تهزه الرياح، مؤكداً في كل كتاباته أن الإسلام هو قوة روحية قادرة على بعث الحياة في الحضارات، تاركاً خلفه إرثاً لا يزال الباحثون في تاريخ الإسلام في اليابان ينهلون منه حتى يومنا هذا. لقد رحل الحاج عمر ياماوكا بجسده، لكنه بقي في تاريخ اليابان شمسًا لا تغيب.