الكشافة في موسم الحج

اليد الممدودة حيــن يتعثــر الطريـــق.

يبدأ موسم الحج، فتفيض المشاعر المقدسة بأمواجٍ بشرية لا تهدأ، تملأهم السكينة، ويغمرهم الرجاء في رحمة ربٍ كريم، بين راحتي أيادٍ حانية تُمسك بخيط النظام والطمأنينة، فتهيّئ لضيوف الرحمن الأمن والأمان. هناك، يلفتك رجل الكشافة، تجده حاضرًا في كل زاوية، فهو «جوكر الميدان» معلنًا أن البطولة الحقيقية لا تُرى على المنصات، بل تُولد بصمت بين دعوة حاج، وطمأنينة خائف، ودليل طريق في قلب المشاعر المقدسة. بهذا يختصر الأمين العام للاتحاد العالمي الإسلامي للكشافة والشباب الدكتور زهير حسين غنيم صورة رجل الكشافة في موسم الحج، وحضوره الهادئ الحاسم، وصانع الفرق في أكثر اللحظات حساسية، مقارنًا بخبرته التي امتدت 54عامًا كقائد كشفي، كيف كان رجل الكشافة في ماض مازالت ذكراه نابضة بالحياة، وحاضر تقني فرض نفسه. يذكر غنيم أن مهمة الكشّاف لم تعد اليوم كما كانت “فالتقنية أحدثت تحولًا جذريًا في طبيعة العمل، حيث كنا في السابق نرسم الخرائط يدويًا، ونحفظ الطرق، ونجتهد في التعرف على مواقع الحملات، أما اليوم كل شيء بات ميسرًا عبر الخرائط الرقمية، وتحديد المواقع، وحتى بيانات الحجاج أصبحت متاحة بضغطة زر، فاختصرت الوقت والجهد، ورفعت دقة العمل بشكل كبير، عززها تمكن ابنائنا في التعامل معها، وإن جعلت من رجل الكشافة أكثر كفاءة، فإنها لا تُغني عن الإنسان بداخله”. والكشاف -وبحسب ما يراه غنيم- يحتاج إلى أن يُلم بعناصر أساسية، وحزمة من المهارات التي تتجاوز المعرفة النظرية، كالخبرة الميدانية، وسرعة التصرف، والقدرة على التواصل، والتحمل البدني “فالحج ليس بيئة عادية، بل ميدان تتطلب جاهزية كاملة، ونباهة حاضرة، واستعداد كامل لأي طارئ، خاصة وإن علمنا إن اختيار الكشاف للعمل في موسم الحج يتطلب اختيار بعناية كبيرة، ووفق معايير تشترطها جمعية الكشافة العربية السعودية، وبحسب علمي وخبرتي أن كل مدينة أو محافظة ترشح عددًا من رجال الكشافة والجوالة لخدمة الحجاج، ويُفضّل ان يمتلك خبرة تأهله للعمل في الحج، تضمن قدرتهم على أداء المهمة في هذا الظرف الاستثنائي، ‏والخبرات تجعل للإنسان شخصية يستطيع من خلالها أن يثبت ذاته، ويثبت وجوده. ويكمل غنيم “أصعب ما يواجه الكشّاف هو الحاج التائه، المفقود، الذي لا يحمل ما يثبت تبعيته، في هذه الحالة، نبدأ من الصفر، ومحاولة التعرف على جنسيته من خلال اللغة، أو من خلال أي خيط يقربنا إلى وجهته، أما الأن وبفضل الحلول الحديثة التي خففت من هذا العبء، وفي وجود بطاقة نسك التي تعد نقلة نوعية وخطوة نوعية قامت بها وزارة الحج والعمر، إذ تحمل جميع بيانات الحاج، فسهلت واختصرت الجهد والوقت، لذا كان التأكيد والتشديد على الحاج بضرورة بحملها، ورغم كل الظروف والمصادفات التي لا يخلو منها الحج، يظل الدافع الأكبر والمحفز هو الانسان بداخل رجل الكشافة، و قبل أن يكون التنظيم. وزاد” خدمة ضيوف الرحمن متعة لا توصف، وهي خدمة للوطن أولًا، ولضيوف الرحمن، في ظل جهود تكبر مع كل عام، وصولًا نحو الأفضل، لذا ومن منطلق عملي الكشفي على مدى طويل في موسم الحج، أدعو حجاج بيت الله الالتزام بالتعليمات، وصولًا إلى تحقق الأماني في حج ميسر آمن، وختام حسن لشعيرة مهمة، ضحوا من أجلها بالغالي والنفيس”. وتأبى الذاكرة إلا أن تُلح على رجل الكشافة زهير غنيم بسرد موقف عدّه من المواقف العظيمة التي صادفته في موسم الحج، فذكر” في إحدى سنوات عملي مشرفًا على مظلة الإرشاد في عرفات، لفت انتباهي رجل يقف جانبًا بصمت، اقتربت منه، فسألته إن كان يحتاج مساعدة، فكان أن عرّف بنفسه، وكان وزيرًا للبترول لإحدى الدول الشقيقة، علاوة أنه ضيف من ضيوف خادم الحرمين الشريفين، وللأسف فقد المخيم وضيّع طريقه، ولم يكن الموقف عاديًا، شخصية رسمية في قلب الزحام فقدت طريقها”. وتابع:” أخذته من يده، واتجهنا إلى غرفة القيادة العامة، حيث رحّب به القادة ترحيبًا يليق به، ثم طُلب مني أن أوصله إلى مقر الضيافة الملكية، يومها، كانت الطرق مزدحمة قبيل صلاة الظهر، ولم يكن أمامنا سوى الدراجة الهوائية، فسألته إن كان بإمكانه الركوب خلفي، فوافق، قدت الدراجة وسط الزحام، ونحن نتبادل الحديث عن الحج، والمملكة، وتجارب الحياة، كان موقفًا إنسانيًا بامتياز، لن أنساه ما حييت، في النهاية، قد لا يتذكر الحاج اسم الكشاف الذي أعاده إلى طريقه، أو الذي قاده وسط الزحام، أو حتى الذي حمل عنه عبء لحظة ضياع، لكن ذلك الكشاف سيبقى هناك دائمًا فؤ ذاكرة الحاج، ولن ينساه”. وللذكر، يعد الاتحاد العالمي الاسلامي للكشافة والشباب منظمه يقع على عاتقها خدمة ما يصل إلى 25 مليون كشاف مسلم من أنحاء العالم، وتنتسب إلى منظمه التعاون الاسلامي، وتستضيفها حكومة خادم الحرمين الشرفين يحفظه الله، وتُعد أكبر منظمة كشفية إسلامية عالمية مستقلة تضم في عضويتها هيئات وجمعيات كشفية تمثل الكشافة المسلمين في أنحاء العالم، كما أنها تضم فرق كشفية رسمية إسلامية في الدول الغير مسلمة في: الأمريكيتين، أوروبا، أفريقيا وآسيا، أإضافة الى مهامها كهيئة استشارية للمنظمة العالمية الكشفية والتي تضم 161 جمعية كشفية عالمية ويبلغ عدد منسوبيها أكثر من 60 مليون كشاف. وتهتم بالشباب وتنمية المجتمعات.