فجأة توقفتُ في إحدى ساحات المركز. داهمني شعور لا أستطيع وصفه؛ شعور جميل... بل عذب. حينها كنت على بُعد آلاف الأميال من بلدي، ومع ذلك يملؤني إحساس بالطمأنينة والأمن والفخر والحب، كأنني في قلب الوطن. إنه مركز الملك فهد الثقافي الإسلامي في بوينس آيرس؛ ملتقى المسلمين من شتى أنحاء الأمريكيتين.. أتجول في قاعاته وملاحقه وملاعبه. لكل زاوية حكاية، ولكل ممر أثر. أقف عند صور زعماء هذا البلد وقادته، ثم أتوقف طويلًا عند صورة الملك فهد بن عبدالعزيز؛ الرجل الذي أمر ببناء هذا الصرح. أتأمل الصورة فأشعر أن التاريخ هنا لا يُعرض على الجدران فقط، بل يُعاش في التفاصيل. المكان ليس مجرد مبنى؛ إنه قطعة من السعودية، بروحها ونمطها وثقافتها واعتدالها وإنسانيتها التي تقدّمها للعالم بهدوء. كل شيء فيه يتحدث بلغة واضحة: نحن هنا لنخدم الإنسان. يقدم المركز اللقاحات الصحية مجانًا، دون أن يسأل عن جنسية المستفيد أو معتقده. “في كل كبدٍ رطبةٍ أجر”. ويمدّ يده للمهارة؛ رأيتُ مكائن الخياطة تصطف، وحولها نساء يتعلمن، ينسجن من الخيط فرصةً للحياة. ويمنح المعرفة؛ تعليم وتحفيظ للقرآن، ودروس في اللغة العربية، ولقاءات تفتح أبواب الفهم. ميمونة فتاة في العشرين من عمرها، ولدت وعاشت ونشأت في الارجنتين، والدها من أصل سوري، وأمها ارجنتينية. لم تكتف ميمونة بلغتها، ذهبت إلى المركز وتعلمت العربية إضافة إلى قدرتها على الانجليزية فأصبحت تتحدث ثلاث لغات. ميمونة مسلمة ترتدي الحجاب وتصلي الصلوات الخمس. سألتها، لماذا الحجاب؟ هل رغبة والدك أم والدتك! أجابت: بل رغبتي الشخصية، وجدت في هذا التوجه الراحة النفسية والسعادة التي انشدها. كانت تتحدث بثقة وطمأنينة، لا بطريقة من يحاول إقناع الآخرين، بل بطريقة من وصل إلى قناعة تشبه السلام الداخلي. حينها أدركت أن هذا المركز لا يعلّم اللغة والقرآن فقط، بل يترك أثرًا عميقًا في النفوس أيضًا. مركز الملك فهد يستقبل الوفود، ويحدّثهم عن الحج والعمرة، وعن الإسلام بوصفه دينًا للحياة. إمام المسجد له جلسة دورية وحوارية مع الوفود يجلسهم في نهاية الجامع وبعد الصلاة يجلس أمامهم ويحدثهم عن الإسلام وسماحته ومايقدمه للبشرية من تواد ورحمة واطمئنان. في إحدى الجلسات كنت مراقبا، وحاولت التقط صورا ولكنهم اعتذروا مني وقالوا قد لا يفضل بعض الحضور الصور ثم أن هذا الحدث لله وليس للتباهي. أعدادا كبيرة من المسلمين من شتى أنحاء الأرض عندما يزورون بوينس آيرس يتجهون فورا إلى مركز الملك فهد، فهناك تعقد الصداقات وتزول الغربة، وتتشكل روابط تتجاوز حدود اللغة والجنسية، ويصبح المرء محاطا بالمعارف، فالجميع هناك يشعر أنه أقرب إلى أهله مما يظن. بعضهم يأتي للصلاة، وبعضهم للمعرفة، وآخرون فقط ليشعروا بشيء من الطمأنينة في مدينة بعيدة. والمركز يحققها لهم. وحتى الترفيه يحضر في المركز من خلال الملاعب والمرافق داخل ذلك السور الكبير الذي يحيط بالمركز. الأطفال يركضون ويلعبون، والشباب يمارسون كرة القدم والسلة والطائرة، والعائلات تجلس مطمئنة في المساحات المفتوحة. بدا المكان وكأنه مجتمع صغير نابض بالحياة، لا يقتصر حضوره على الصلاة والتعليم فقط، بل يمتد ليصنع شعورًا بالألفة والانتماء، ويمنح الزائر والمقيم شيئًا من الدفء الإنساني الذي يحتاجه كل غريب بعيد عن بلده. لم أكن أظن أن المكان بهذا الاتساع. كنت أتصوره جامعًا كبيرًا، فإذا به منظومة متكاملة: مكتبة واسعة، معارض ثقافية، برامج تدريب، حرف يدوية، ومساحات مفتوحة للحياة. تجربة الزيارة لم تكن دينية فقط، بل ثقافية وإنسانية عميقة، تعكس حضور المملكة الحضاري في قلب أمريكا اللاتينية. وفي زاوية أخرى من الذاكرة، تعود قصة هذا المركز. حين استدعى الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم السفير السعودي فؤاد ناظر وعبّر له عن تقديره للمملكة وللملك فهد، ورغبته في تقديم هدية تليق به عند زيارته القريبة القادمة. طلب السفير مهلة، ثم عاد باقتراح يحمل روح الفكرة: أن يكون العطاء أكبر من هدية عابرة، أن يكون مركزًا ثقافيًا إسلاميًا يخدم الأجيال. تم تقديم الملف إلى البرلمان، واختير موقع مميز في قلب بوينس آيرس. الفكرةٌ تحوّلت إلى مشروع، ثم إلى واقع. وفي عام 2000، افتُتح هذا الصرح بحضور الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، وكان حينها وليا للعهد. ليبدأ فصلاً جديدًا من الحضور السعودي خارج الجغرافيا. وخارج أسوار المركز، كان حضور الرياض ضيف شرف في معرض بوينس آيرس الدولي للكتاب 2025 امتدادًا طبيعيًا لهذه الصورة. قرار ذكي من الجانب الأرجنتيني؛ فالسعوديون لم يقدّموا جناحًا فحسب، بل قدّموا تجربة. كتبٌ بالإسبانية، معرفة مكتوبة ومروية، ندوات حوارية، وصورة للإسلام في أسمى قيمه. كان الجناح حيًّا… فيه روح، وفيه دفء، وفيه ذلك التوازن بين الشكل والمضمون. كنتُ كلما دخلت جناح الرياض أشعر أن المكان يتنفس. السعوديون يضيفون حياةً إلى التفاصيل، ويتركون أثرًا في الممرات المحيطة. تمازج بين ثقافتين؛ شرقٍ يمتد في الذاكرة، وغربٍ يفتح ذراعيه للحوار. رسائل إنسانية تتبادلها اللغات، وعلاقة دافئة تتشكّل وتستمر. غادرتُ المركز ومعرض الكتاب وأنا أشعر أن ما تقدمه المملكة هنا يتجاوز فكرة الحضور العابر أو المشاركة المؤقتة. من مركز ثقافي إسلامي يخدم الناس منذ سنوات، إلى جناح ثقافي سعودي يفتح الحوار مع الآخر، تتشكل صورة مختلفة وهادئة عن الإنسان السعودي وثقافته وقيمه. وربما لهذا السبب بدت الرياض في بوينس آيرس أقرب مما نتخيل، وبدا الوطن حاضرًا حتى على بُعد آلاف الأميال. *كاتب وصحفي سعودي