دعوة لإعادة قراءة «الثبيتي»..

القصيدة بوصفها وجوداً ومكاناً.

يمرُّ اسم محمد الثبيتي “ سيد البيد “ داخل أحاديث الحداثة والشّعر السّعوديّ وأشعر دائمًا أنّنا أمام شاعرٍ لم يُقرأ بما يكفي وأمام تجربةٍ أوسع بكثيرٍ من تلك العبارات المُختصرة التي تضعه دومًا داخل إطار “ شاعر الرّمز” أو “ شاعر الصّحراء” الثّبيتي الذي إن قُرئ بعمقٍ حقيقيّ يبدو وكأنّه مشروعٌ لغويٌّ وثقافيٌّ كامل أعاد تشكيل العلاقة بين القصيدة والإنسان والمكان والرّمز والصّوت الدّاخليّ؛ إذ لم تكن تجربته مجرّد انتقالٍ من شكلٍ تقليديّ إلى شكلٍ حداثيّ، وإنّما كانت انتقالًا في طريقة رؤية العالم نفسه، وفي كيفيّة تحويل الصّحراء إلى معانٍ ورموز؛ بيد أن البادية عنده رؤى فلسفية عميقة لا تتبدد والصّوت الفرديّ العتيق يتحول إلى فكرةٍ وجوديّة طويلةٍ تظهر خفية ثم تمتد لقلق الإنسان الحديث لتضع حيرته وإحساسه العميق بالغربة داخل أغوار الأشياء التي تبدو ساكنةً من الخارج، ممتلئةً بالأسئلة من الدّاخل.. ولعل ذكر شاعرنا الثّبيتي داخل الدّرس النّقديّ السّعوديّ والعربيّ في كثير من القراءات التي لربما توقّفت عند العنوان الخارجيّ لتجربته دون أن تدخل إلى بنيتها العميقة الخالصة المفعمة بالدلالة والتوهج، إذ أن الثبيتي صنع لنفسه جهازًا لغويًّا خاصًّا قائمًا على الكثافة والإيحاء والانزياح واستدعاء الطّاقة الرّمزيّة للمفردة العربيّة القديمة داخل حيزٍ وميدانٍ حداثيٍّ مفتوح ولذلك ظلَّ شعره عصيًّا على القراءة السّريعة وعلى التّلقّي المباشر؛ لأنّ القصيدة عنده بناءٌ دلاليٌّ متشابكٌ تتحرّك داخله الصّورة والإيقاع والرّمز والحذف والصّمت والإحالة الثّقافيّة في شبكةٍ معقّدةٍ تجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى وليس مستهلكًا وهذا ما ميزه عن أقرانه من الشّعراء. وكلّما اقتربتُ أكثر من تجربة الثّبيتي يتأكّد لي أنّ الإشكاليّة الحقيقيّة في تلقّي شعره والغوص فيه تكمن في أنّه شاعرٌ سبق أدوات القراءة التي قُدِّمت له في كثيرٍ من الدّراسات؛ إذ جرى التّعامل معه أحيانًا بوصفه شاعر الصّحراء أو شاعر الرّمز أو شاعر الحداثة في السّعوديّة، مع أنّ تجربته تبدو أوسع بكثيرٍ من هذه التّصنيفات الجزئيّة. والحقّ أن من يتأمّل دواوينه يشعر للوهلةِ الأولى أنّ الثّبيتي أدرك منذ بداياته أنّ القصيدة الحديثة لا يمكن أن تُبنى على ألفاظ تكسوها الزينة وحدها، بل نظر إلى أبعد من ذلك حينما اتجه لخلق ما يمكن تسميته “ بالقصيدة الكثيفة” التي تعتمد نوعًا ما على الاقتصاد اللّغويّ مع التّكثيف الدّلاليّ، من خلال عباراته القصيرة أحيانًا وتراكيبها النّحويّة، غير أنّها تبدو ممتدّة في طبقاتها التّأويليّة وفي إشاراتها العميقة نحو السياقات الثّقافيّة والنّفسيّة، ولهذا يشعر قارئه أنّ القصيدة تبدأ بعد القراءة، وكأنّ الثّبيتي كان يكتب نصًّا يظلُّ مفتوحًا على احتمالاتٍ لا تنغلق ولا تنفك. وعندما نقف عند أعماله وبعض دواوينه التي شكّلت علاماتٍ فارقةً في مسار القصيدة السّعوديّة الحديثة مثل: “ التّضاريس” و” موقف الرّمال” و” بوّابةُ الرّيح” و”التّغريبة” و” تهجّيتُ حلمًا تهجّيتُ وهمًا” و” في أحضان السكون” نلاحظ أنّ شخصيّته الشّعريّة كانت مشروعًا متكاملًا تتكرّر داخله رموز الماء والرّيح والصّحراء والنّخلة والطّين والرّحيل والخيول والقرية والنداء البعيد، والهدوء والموت والليل والنقاء والجمال والشقاء غير أنّ هذه العناصر تتحوّل إلى إشاراتٍ فلسفيّةٍ تعبّر عن القلق والهويّة والزّمن والتّحوّل والصّراعات على كافة الأصعدة وهذا ما احدثه في جل أعماله. ولعل أكثر ما يلفتني في شعره أنّه استطاع أن يُبقي على الرّوح العربيّة القديمة داخل القصيدة الحديثة دون أن يقع في أسر المحاكاة والتقاليد القديمة ما يجعلنا فعلًا نؤمن بوعيه الكبير بالتّراث القديم إلى درجةٍ عميقة متعاملًا معه كطاقة حيّة يمكن له إعادة إنتاجها داخل رؤية حديثة مواكبة ومساندة وخادمة لمفرداته وأفكاره. وعندما نرى كيف توقّف النقّاد عند تميز تجربة الثبيتي وكيف رأى بعضهم استطاعته في أن يمنح القصيدة السعوديّة بُعدًا رمزيًّا جديدًا وجمالًا محبوكًا بفرادة لا يمكن أن يصنعها غيره نلحظ الوقوف على أعماله وتحليليها والكتابة عنها واستخدامها في تطبيقات المناهج النقديّة الجديدة بكافة أشكالها، في حين ينظر له آخرون بوصفه شاعرًا يمتلك قدرةً نادرةً على تحويل المفردة التراثيّة إلى طاقةٍ حديثة نابضة عازفة وقليل من تمكن حرفيًا من ذلك، بينما يرى بعض الدارسين إلى أنّ أهمّ ما يميّز شعره هو هذه العلاقة الغامضة بين الإيقاع والمعنى كجزءٍ من البنية الشعوريّة للنصّ، حتى تبدو القصيدة وكأنّها تُنشد ذاتها من الداخل وهذا ما أميل إليه كثيرًا. ولعلّ أكثر ما يبقى عالقًا في الذّاكرة حين نتأمّل شخصيّة الثّبيتي تلك العزلة الهادئة التي أحاطت بتجربته؛ فقد كان شاعرًا يميل إلى العمق والتأمّل، ولهذا انعكس ذلك على قصيدته التي جاءت ممتلئةً بنبرةٍ داخليّةٍ عالية الحساسيّة، حتّى في أكثر لحظاتها غموضًا، لأنّ الغموض عنده نتيجةً طبيعيّةً لكثافة الرّؤية وتشابك الرّموز وعمق التّجربة الشّعوريّة. ولهذا أشعر أنّ إعادة قراءة تجربة محمد الثبيتي اليوم ليست مجرّد استدعاءٍ لاسمٍ شعريٍّ مهمّ، وإنّما ضرورةٌ نقديّة وثقافيّة لفهم أحد أكثر الأصوات التي استطاعت أن تمنح الشّعر السّعوديّ الحديث هويّةً مختلفة، وتفتح أمام القصيدة العربيّة السّعودية المُختلفة حيزًا وميدانًا جديدًا في العلاقة بين اللّغة والوجود والمكان والإنسان.. رحم الله وغفر لسيد البيد شاعرنا الكبير محمد الثبيتي الذي ترك في القصيدة السّعودية صوتًا لا يشبه سواه..