جلسة ما بعد الصلاة..

القصاصون في المسجد الحرام.

في صدر الإسلام، لم يكن المسجد الحرام يخلو — بعد صلاة الفجر — من مشهد بات ثابتًا في وجدان أهل مكة: رجل يجلس خلف المقام بعد تسليم الإمام، فلا ينصرف الناس، بل يلتفّون حوله يستمعون إلى وعظه وقصصه وتذكيره بأمر الله. عُرف القُصّاص بأنهم من يُذكّرون الناس بأمور الآخرة، ويحضّونهم على الخوف من الله تعالى، مع ما يتحلون به من حسن القصد وصدق الرواية وقد حظي القصص بمكانة مشروعة في أصله؛ لما يتضمنه من العظة والتذكير، قال تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} وكان الرسول ﷺ يتخذ من التذكير والوعظ وسيلة لإرشاد الناس، فيحدّثهم بأخبار الأمم السابقة وما اشتملت عليه من العبر والعظات. ومن ذلك ما رواه العِرْبَاضُ بن سارية السلمي رضي الله عنه قال: «صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب». وعلى هذا النهج سار الصحابة رضوان الله عليهم؛ إذ كانوا يوعظون الناس، ويتلون عليهم القرآن الكريم والحديث النبوي، ويدعونهم إلى الاتعاظ بما جرى للأمم السابقة وأحوال الماضين. حين تسأل: من كان يملأ هذا الدور في مكة؟ يجيبك التاريخ باسم عبيد بن عمير الليثي قبل سواه. كان ورعاً زاهداً تقياً، يقص في المسجد الحرام، ومجلسه بين زمزم والحجر. وقد بلغت مكانته من أهل مكة أن مجاهد بن جبر قال بكل فخر: “كنا نفخر بفقيهنا ونفخر بقاصِّنا؛ فأما فقيهنا فابن عباس، وأما قاصّنا فعبيد بن عمير.” — مجاهد بن جبر وكان عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر يأتيان مجلسه للاستماع. فلما جاء الناس يستفتون ابن عمر وهو جالس في المجلس، قال لهم: “خلوا بيننا وبين قاصّنا.” فأيّ مكانة تلك التي تجعل ابن عمر يؤخّر الفتيا لأجلها؟ كان عبيد بن عمير يتردد على مجلس أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يسألها في بعض الأمور العلمية. فأوصته بوصية جمعت فيها حكمة التربية والتعليم: “اقصص يوماً ودع يوماً، لا تُمِلَّ الناس. خفِّف، فإن الذكر ثقيل.” —عائشة رضي الله عنها في هذه الوصية درس لكل من يتصدى للقصص في كل زمان: أن التأثير لا يُقاس بالكثرة، بل بالكلمة التي تجد طريقها إلى القلب. ولم يكن القصاص من أبناء مكة وحدهم؛ فقد حرص طلبة العلم والحجاج على الالتقاء بالقاص عمر بن ذر الكوفي (ت156هـ) كلما قدم مكة حاجاً، حيث كان يجلس للناس ويقص عليهم ويذكّرهم بأمر الآخرة طوال أيام الموسم، ثم لا يلتقون به إلا في الموسم التالي. وكان لعمر بن ذر ميزة لا تُنسى: صوت رخيم، وتلبية تسحر من يسمعها؛ حتى إن الحجاج كانوا يقطعون تلبيتهم ليستمعوا إلى حسن تلبيته ونداوة صوته. تحكي كتب التاريخ أن الحسن البصري قدم مكة ذات موسم، فكلّم فقهاء أهل مكة أحدَ أصحابه أن يطلب منه الجلوس لهم يوماً يعظهم فيه، فقبل الحسن وخطبهم. يقول الراوي: “فما رأيت أخطب منه.” وفي هذا المشهد أدب علمي رفيع: علماء مكة أنفسهم يطلبون الاستفادة من قادم، لأن طالب العلم الحق لا يرى العلم حكراً على بلده أو إقليمه. اتصف علماء مكة في تلك الحقبة بالنسك والورع والزهد ولين الجانب وطيب النفس، حتى كان طلاب العلم القادمون من سائر أرجاء العالم الإسلامي يحرصون على مجاورتهم للاقتداء بهديهم وسمتهم، لا لأجل العلم وحده. وكان محمد بن سيرين — التابعي الجليل — إذا تخلّف عن الحج في عام، أمر من يحج من أهله بأن ينظر إلى هدي القاسم بن محمد ولباسه وناصيته ليقتدي به. فصار هؤلاء العلماء معالم حجّ من نوع آخر. ونحن نودع موسم الحج ١٤٤٧هـ وقد امتلأت مكة المكرمة بملايين الحجاج من كل فج عميق، يطيب لنا أن نستحضر هذا الإرث العريق: إرث الكلمة الصادقة التي قيلت في رحاب المسجد الحرام وبقي أثرها في قلوب سامعيها عبر القرون. القصاصون الكبار في مكة لم يكونوا يبحثون عن جمهور، بل كانوا يبحثون عن أثر. وربما هذا ما يجعل ذكرهم باقياً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً: أن كلامهم كان صادقاً من قلب صادق، إلى قلوب تتوق إلى الصدق. * باحثة دكتوراه في التاريخ الإسلامي