رحلة إلى الذات..

بين الأدب الروسي وعمق الإنسان.

في أحد الأيام، وفي ليلةٍ أثقلها الصمت أكثر مما أثقلها التعب، وجدتني ألوذ بزاويةٍ هادئة كمن يبحث عن ملجأٍ من شيءٍ لا يُرى. لم يكن في الظاهر ما يدعو للقلق، لكن في الداخل كانت هناك أسئلة تتكاثر، وإحساسٌ خفي بأن شيئًا ما يحتاج إلى أن يُفهم… لا أن يُتجاهل. كان الصمت من حولي ساكنًا، لكن في داخلي ضجيجٌ لا يهدأ؛ ضجيج أسئلةٍ مؤجلة، ومواقف مرّت دون أن تأخذ حقها من التأمل. لم أكن أبحث عن كتابٍ بعينه، بل عن سكونٍ يعيد ترتيب هذا الاضطراب. وبينما أتصفح رفوفي، وقعت يدي على رواية لـ فيودور دوستويفسكي، لا لسببٍ واضح، إلا أن عنوانها بدا وكأنه يهمس لي بشيءٍ أعرفه ولا أستطيع تسميته. لم يكن الاختيار واعيًا بقدر ما كان استجابةً لنداءٍ داخلي، كأنني أبحث عمّن يشاركني هذا الثقل دون أن يراه. جلستُ أقرأ، ومع كل صفحة كنت أشعر أنني لا أتابع حكايةً بعيدة، بل أقترب من نفسي أكثر. كان الصراع الذي يكتبه دوستويفسكي مألوفًا بشكلٍ يثير الدهشة؛ ذلك التردد بين ما نريده وما نعرف أنه الصواب، بين اندفاعٍ لحظي وصوتٍ داخلي يطالبنا بالتريث. ولم يكن هذا الصراع غريبًا عني، بل بدا كأنه امتداد لما تربينا عليه: أن الإنسان ليس كائنًا حرًّا بلا حدود، بل هو مسؤول عن اختياراته، محكومٌ بضميرٍ لا يسكت مهما حاولنا تجاهله. ومع تعمّقي، لم يعد النص مجرد سرد، بل صار مواجهة. كل موقفٍ في الرواية كان يوقظ في داخلي موقفًا شبيهًا، وكل فكرةٍ كانت تستدعي ذكرى. شعرتُ أن القراءة هنا لا تمنحك راحة، بل تضعك في اختبارٍ صامت: هل أنت كما تعتقد؟ أم كما تتصرف حين تغيب الرقابة؟ أغلقتُ الكتاب للحظة، لا لأنني انتهيت، بل لأنني امتلأت. وسألت نفسي: كيف استطاعت هذه الكلمات، القادمة من زمنٍ ومكانٍ بعيدين، أن تلامس هذا العمق؟ أهو تشابه التجارب، أم أن في الإنسان جوهرًا ثابتًا، تتشابه عنده الأسئلة مهما اختلفت البيئات؟ في اليوم التالي، عدتُ إلى القراءة، لكن هذه المرة بعينٍ تبحث عن الرابط. تنقلت بين أعمال ليو تولستوي وألكسندر بوشكين، فبدأت الصورة تتضح. لم يكن الأمر تشابهًا في القصص، بل تقاطعًا في القيم. هناك حضورٌ قوي لفكرة الإنسان الذي يُحاسب نفسه، الذي لا يكتفي بتبرير أفعاله، بل يسائلها. فكرة الرحمة التي لا تأتي من ضعف، بل من وعيٍ عميق بطبيعة الإنسان، وفكرة الرجوع التي لا تُرى كهزيمة، بل كقدرة على تصحيح المسار. وهنا، بدأ يتشكّل في داخلي فهمٌ مختلف. لم يعد الأدب الروسي بالنسبة لي تجربة بعيدة، بل أصبح مساحةً أرى فيها انعكاسًا لقيمٍ أعرفها، لكنني ربما لم أُحسن استحضارها في حياتي اليومية. كأن النصوص لم تأتِ لتعلّمني شيئًا جديدًا بقدر ما جاءت لتذكّرني بما أعرفه أصلًا. ومع كل قراءة، كانت ذاكرتي تستيقظ أكثر. تذكّرتُ مواقف مررت بها دون أن أتوقف عندها، كلماتٍ كان يمكن أن تُقال بلطفٍ أكبر، وصمتًا كان يمكن أن يكون أكثر حكمة. أدركتُ أن القيم لا تُقاس بما نؤمن به نظريًا، بل بما نفعله حين نُختبر. وفي إحدى الأمسيات، وبينما كنتُ أقرأ لتولستوي، توقفت عند مشهدٍ لرجلٍ عاد إلى ذاته بعد أن أثقلته الحياة. لم يكن المشهد استثنائيًا في بنائه، لكنه كان عميقًا في أثره. شعرتُ بشيءٍ من الطمأنينة، كأن النص يهمس: “ليس الخطأ ما يُنقص الإنسان، بل الإصرار عليه”. وكان هذا المعنى قريبًا من جوهر ما تعلّمناه: أن الطريق إلى الصواب لا يُغلق، وأن الإنسان يُقاس بقدرته على النهوض لا بعدد مرات سقوطه. ومع هذا التقاطع العميق، بدأت أُدرك أن الاختلاف لا يُلغي القيمة، بل يُثريها. فالأدب الروسي يحمل تجربته الخاصة، ونحن نحمل مرجعيتنا التي تمنحنا زاويةً مختلفة للفهم. وهذا لا يخلق تناقضًا، بل يفتح بابًا للحوار؛ نقرأهم فنفهم أنفسنا، ونعود إلى ما نؤمن به فنفهمهم بوعيٍ أوسع. ومع مرور الوقت، تغيّرت علاقتي بالقراءة جذريًا. لم تعد الكتب وسيلة للهروب من الواقع، بل وسيلة لفهمه. لم أعد أبحث عن أحداثٍ تُشغلني، بل عن معانٍ تُعيد ترتيب داخلي. أصبحت القراءة نوعًا من المحاسبة الهادئة، التي لا تفرض عليك حكمًا، لكنها تتركك أمام نفسك بلا تزييف. واليوم، حين أسترجع تلك الليلة، أدرك أنها لم تكن لحظة عابرة، بل بداية تحوّلٍ صامت. لم تغيّرني القراءة بشكلٍ فجائي، لكنها أعادت ترتيب أشياء كثيرة في داخلي، بهدوءٍ لا يُلاحظ، وأثرٍ لا يزول. وربما هذه هي وظيفة الأدب الحقيقي: لا أن يمنحك إجابات جاهزة، بل أن يعيدك إلى أسئلتك الأولى… لكن بوعيٍ أعمق، وبقدرةٍ أكبر على أن تكون صادقًا مع نفسك.