صحافة المشاهير على جانبيّ الأطلسي.

مع الانتشار السريع الذي وفّرته وسائل التواصل للاجتماعي، بدأت بالظهور على هذه المواقع بعض شخصيّات “المشاهير” التي لا تمتلك مواهب أو ثقافة عالية، بل شخصيات يقدّمون محتويات متواضعة، ولكن يتابعهم أعداد ضخمة من المُعجبين الذين جعلوا تلك الشخصيات تتصدّر “الترند”؛ وكلمة trend مُصطلحٌ إنجليزي أجازه مجمع اللغة العربية، ويُقصد به: الموضوع الساخن الجديد، الذي يُثار فينتشر بسُرعة في فترة زمنية قصيرة، ويهتم به الجمهور. وفي الحقيقة فإن ظاهرة “المشاهير” ليست جديدة تماماً، فقد كانت الصحف العالمية، الورقية سابقاً والرقمية حالياً ولا زالت، تُطالع قُرّائها بأنباء مشاهير من نوعٍ آخر، شخصيات لا علاقة لها بالثقافة أو الموهبة أو الإبداع، ومع ذلك فالصحافة تُطاردهم أينما ذهبوا، وتتصيّد أخبارهم وتتعرّض لجوانب خفيّة في حياتهم، بل وتنتزع أسرارهم من أفواه الأصدقاء والمُقرّبين.. كلّ ذلك بدافع الرغبة العارمة في التّسابق على النشر، والفوز بما يُسمّى “بالسبق الصحفي”، أو ما يُسمّى حالياً “بالترند” في وسائل التواصل الاجتماعي. تُخصّص بعض الصحف العالمية مساحات تنفرد بنشر القصص والمواقف، بل والفضائح الخاصّة بهؤلاء المشاهير، وربما نجد أن مثل ذلك النوع من النميمة أو الثرثرة الاجتماعية يحتلّ مكان الصدارة أحياناً في قائمة المواد المنشورة على الصفحات الأولى لبعض الصحف، وبذلك تتراجع المواد الصحفية الجادّة الأخرى لتحتلّ مكانةً ثانوية من حيث أهميّة النشر أو أولويّته. ولو تناولنا الصحافة الأمريكية والبريطانية على سبيل المثال، لوجدنا أن ما يُسمّى بصحافة المشاهير قد أصبح يُشكّل بالفعل رُكناً بارزاً في إطار المواد الصحفية المُكوّنة للجرائد اليومية في الولايات المتحدّة. ففي صحيفة “نيويورك بوست” تُنشر تلك الأعمدة تحت عنوان “الصفحة السادسة” Page Six، وفي “واشنطن بوست” “الأُذن” Ear، ونجد نفس ذلك النمط من الصحافة الاجتماعية في جريدة “شيكاغو تربيون” .. وغيرها. وعلى الصعيد البريطاني، فإن الأمر لا يختلف كثيراً، حيث يُعذّ ذلك النوع من الصحافة “الطُّعم” الذي تستخدمه صُحف الإثارة أو ما يُسمّى “التابلويد” Tabloid لاجتذاب القُرّاء، والنهوض بمُعدّلات النشر والتوزيع. فمثل هذه الصّحف تُحقّق مُعدّلات واسعة للانتشار، ربما تفوق في حجمها تلك الصّحف الأخرى الجادّة، التي قد لا تعبأ بأن تُفسح المجال بين طيّات صفحاتها لمثل ذلك النوع من اللّغو الصحفي. فتنشر صحيفة “ديلي ستار” البريطانية مثل تلك الأعمدة تحت عنوان “طراطيش” Splash، و”ديلي ميل” “مُذكّرات الميل” Daily Diary. كذلك تتسابق الصّحف اليومية على جانبيّ المُحيط، في تقديم الجديد لقُرّائها على صعيد الكُتب التي يستعرض فيها أصحابها تفاصيل الحياة الشخصية للمشاهير، وخاصة من السياسيين والزُعماء. فنذكر على سبيل المثال، كتاب “دونالد ريجان” كبير موظفي “البيت الأبيض” الأسبق الذي أسماه: “للتاريخ” For The Record، وتطرّق فيه إلى أن السيدة الأولى “نانسي ريجان” كانت تعتمد على ما يُسمّى “بقارئ الطالع”، في رسم تفاصيل حياة زوجها. وقد أثار هذا الكتاب وقتها عاصفة كبيرة، تناولتها الصّحف بالتفصيل وانتشرت انتشار النار في الهشيم، الأمر الذي جعل السيّدة الأولى تُدافع عن نفسها بإصدار كتاب بعنوان: “دوري” My Turn، برّرت فيه لجوئها إلى قراءة الطالع وعلم التنجيم، كآليةٍ دفاعية لتجاوز الصدمات النفسية، خاصةً بعد مُحاولة اغتيال زوجها في بداية فترته الرئاسية! إن من الطبيعي أن يتساءل المرء: هل يُمكن اعتبار ذلك الجانب من مواد النشر صحافةً حقيقية أصيلة، أم أنه مجرّد “صحافةً صفراء”؛ لا يتجاوز الهدف منها ملء صفحاتٍ خالية لجريدةٍ مُتعطّشة لزيادة الانتشار والتوزيع؟ إن ذلك النوع من الصحافة يُثير عادةً مزيجاً مُختلَطاً من ردود الفعل من جانب كلّ من المؤيّدين والمُعارضين، فالنُقّاد يرون أن النموّ المُطّرد لصحافة المشاهير يُمكن أن يُسئ للرسالة الأساسية للصحافة بوجهٍ عام؛ فيُحوّلها إلى مُجرّد مصدر تُستغنى منه المقالات الهامشية بدلاً من المواد التثقيفية الجادّة. كما أن التركيز على صحافة المشاهير الشخصية من شأنه أن يُفقد القارئ الإحساس بذلك الخيط الرفيع، الفاصل بين بين الأخبار والثرثرة.. وفي النهاية ترتقي التّفاهات لمرتبة الأنباء والمقالات الرصينة المًتصدّرة للصفحات الأولى. ويُمكن إرجاع الانتشار الواسع لصحافة المشاهير، إلى أن هذا النوع من المادّة الصحفية قد يكفل للقارئ فترة استراحة ذهنية قصيرة يستردّ خلالها أنفاسه، ليُريح عقله ونفسه المُتعبة من هُموم الأحداث العالمية المُقترنة بالمُنازعات والحروب، وكذلك لإشباع الفُضول الإنساني لدى القُرّاء المُتعطّشين لمعرفة أخبار المشاهير، والجوانب المُختلفة لحياتهم الخاصّة.