في عتمة المحابر الرقمية، لم يعد السؤال المعاصر هو: «هل يمكن للآلة أن تكتب؟»، بل السؤال الأكثر قلقًا وإلحاحًا: «هل يمكن للآلة أن تشعر وهي تكتب؟»، إن الجلوس أمام شاشة بيضاء يملأها الذكاء الاصطناعي بالنصوص خلال ثوانٍ معدودة، يضعنا وجهًا لوجه أمام أحدث صيحات التحول الثقافي: محاولة «أنسنة الآلة» وسكب الروح في خوارزميات صماء حين نقرأ نصًا أدبيًا صاغه الذكاء الاصطناعي، نُدهش للوهلة الأولى بـ «بلاغة السطح»؛ لغة سليمة، تراكيب متينة، وصور بيانية مستدعاة من مخازن الذاكرة البشرية بدقة متناهية، غير أن القارئ الحذق، المتسلّح بوعي نقدي، سرعان ما يكتشف أن هذا التدفق اللغوي يعاني من «عوز الروح»، إنها نصوص تُحاكي الإنسانية لكنها لا تعيشها؛ نصوص ناتجة عن عمليات إحصائية معقدة تتنبأ بالكلمة التالية، لا عن خفقات قلب قلِق، أو عقل تكويه تجربة الفقد، أو الاغتراب، أو الحب، تتبدى معضلة «النص الاصطناعي» في كونه نصًا بلا «أثر» بالمعنى التفكيكي للكلمة؛ إنه يفتقر إلى ذلك الظل الإنساني النبيل المليء بالتردد، والخطأ الشاعري، والدموع المخبأة خلف الحروف، الآلة تستدعي «أيقونة» الحزن وترسم «رمز» الألم بناءً على قوالب جاهزة غُذيت بها، لكنها عاجزة عن ابتكار «الدهشة الجريحة» التي يولدها الأديب الحقيقي من رحم المعاناة الوجودية، النص الرقمي هو «تجميع ذكي» لشتات التجربة الإنسانية، لكنه يظل عاجزًا عن التواجد في لحظة التكوين الإبداعي الأولي، إن النقد الأدبي المعاصر اليوم مطالبٌ بابتكار أدوات تفكيكية جديدة لمواجهة هذا «التناص الآلي»؛ فالذكاء الاصطناعي لا يسرق نصوصًا بعينها، بل يسرق «الأسلوب البشري» العام ويعيد صهره في قوالب بلا غاية، هذا التدفق الكمي للمقالات والقصائد يهدد بتحويل الأدب إلى سلع استهلاكية باردة، ويسحب من الكلمة صفتها المقدسة بوصفها جسرًا من روح إلى روح. إن «أنسنة الآلة» ستبقى مجرد وهم بلاغي وتجميلي ما لم تمتلك هذه الآلات حق المعاناة وحرية الاختيار، سيبقى النص البشري برغم عثراته ونقائصه، هو المتن الحقيقي الذي يستحق القراءة؛ لأنه النص الوحيد الذي يُكتب بدم الموقف لا بنبض الخوارزميات! إن الآلة قد تمنحنا نصًا بليغًا، لكن الإنسان وحده هو من يمنحنا المعنى! *دكتوراة في فلسفة النقد والبلاغة