متواجدون بيننا يشعّون ذكاءً، تجدهم تحت عقدة اللسان التي تخذلهم، يحاولون مرارًا وتكرارًا أن يوصلوا أفكارهم لكن من حولهم يعانون من قصور الاستماع والإنصات لهم، ويحكمون بقسوة وتهكّم تجاه هؤلاء الذين يُقاومون بكل شجاعة حتى تتدفق عباراتهم لتأتي بين طيّاتها الكنوز الدفينة! خلف ذلك الصوت المتقطع وتلك اللعثمة المتعبة، تكمن هويتهم فصاروا يحملون شعارهم ومعاناتهم معهم في كل مكان، إنهم المتأتئون – وأسميهم العظماء- لأنهم يواجهون معضلتين: معضلة التأتأة ومعضلة جهل البشر وتعاملهم ، فكم من مُتأتئ جنح إلى الصمت بسبب قسوة المقربين، وكم من نابغة احتفظ بذكائه لضيق صدر المدارس التي لم تستوعب معنى هذا الاضطراب، فمن المؤلم أن نجد في القرآن الكريم فهمًا وتفهمًا لكليم الله موسى عليه السلام وهو يقول: (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) ثم نجد في صدورهم ضيقة من الاستماع إلى إجابة يعرفها المتأتئ جيدًا، لكنها ضلت الطريق إلى شفاهه فعلقت بلا جواب! إن المتأتئ بارع فيما يملك من موهبة ومهارة، لكنها دُفنت قسرًا ليس بسبب تأتأته بل بسبب من لا يفهمون التأتأة، ولن يفهم التأتأة إلا من أصيب بها، فإن صادفت متأتِأً...فضلًا لا تُكمل جُمله عنه، وانصت له بانتباه وإنصات، وتفاعل مع ما يقوله، ولا تُشفق عليه، فهو مدرك جدًا لمعاناته، وله أسلوبه في التعامل معها، عليك أن تفهمه أكثر وتحتوي أفكاره التي يريد إيصالها برحابة صدر، ولتعلم أن المتأتئ فخور جدًا بتأتأته وهو يُحاول كل يوم التعامل معها برباطة جأش وثبات، هو يحتاج الفرصة ليثبت نفسه وليرى العالم من هو بكل فصاحة! نعم ...بكل فصاحة، فإن أرواحهم تفصح عن جمال مكنون من الفكر وغزارة المعنى، ثابتون في وجه العواصف، يعرفون كيف يقفون بعد السقوط مرات ومرات، يكررون الصعود أكثر من مرة ويعلمون جيدًا أن مكانهم في القمّة، فصاحتهم تتعدى العبارات لتكون أفعالًا تُرى وإنجازات تُلمس، أرواحهم فصيحة حين لا يردّون الإساءة ويركنون للصمت تجاه من أساء إليهم، فإن كنت بليغًا مفوّهًا بطلاقة، فأرجو أن تكتسب منهم فصاحة الروح، لأنها روح شفافة صادقة ونقيّة وواضحة وشجاعة، فهم يضطرون إلى التعامل مع تلك العقبة كلّما أرادوا الحديث، وليس من حق أحد الحكم أو النصح حتى بنيّة حسنة لكي لا تهدم ما بنوه من محاولات لنطق الكلمات التي تراصّت أخيرًا لتخرج من شفاههم وكأنها شلّالات عذبة من فكرة أو قصة أو معنى! لكل مُتأتئ معاناته الخاصة والعميقة، وهو مدرك تمامًا لمشكلته ولا يُخبّئها، بل يتعامل معها كهبة إلهية ميزه الله بها، فمنهم الشُّعراء ومنهم العُلمَاء ومنهم الخُطباء ومنهم الملوك! فكيف لخطاب هز العالم حين نطق الملك المتلعثم جورج السادس في الحرب العالمية أن يُعطي حجمًا وعمقًا سياسيًّا لبريطانيا لتكون ندًّا لألمانيا وقوّة بلاغية وخطابية تُضاهي خطابات هتلر المعروف بخطاباته الحماسية والمُميّزة! وكيف لبطل العالم محمد القحطاني أن يفوز بالجائزة العالمية للخطابة عام 2015 متفوقًا على 33 ألف متسابق متحديًا التأتأة بخطاب مذهل عنوانه (قوّة الكلمة) جمع فيه حس الفكاهة ورصانة الكلمات ولغة الجسد وتعابير الوجه! ليشّكل حالة مذهلة وملهمة للمتأتئين والفصحاء في آن واحد والقائمة تطول بالنماذج الإبداعية والملهمة من المتأتئين، لأنهم باختصار يمتلكون فصاحة الروح.