قراءة في رواية علوان السهيمي (القار)..
ملامح التشكيل بين الاسترجاع الزمني والترتيب العكسي للفصول وبناء الشخصيات بين النمذجة والتنميط والترميز.
ثمة مقاربة رؤيوية إنسانية في هذه الرواية التي تحمل عنواناً مكوّناً من مفردة واحدة وحيدة ، تحتشد فيها دلالات متعدّدة ذات بعد إنساني وعرقي و اقتصادي وحضاري و وجداني واجتماعي ، تنبثق كلّها من هذه العلامة اللغوية الدالّة ، فاللون الأسود يتعلق بالبشرة السوداء لشريحة اجتماعية لها سماتها الإنسانية وخصوصيتها الاجتماعيّة و النفسيّة وطبائعها البشريّة ، من هنا كانت الثيمة الرئيسية في هذه الرواية تتعلّق بما يمكن وصفه بإشكالية اللون ، وما ينبثق عنها من ألوان السلوك والعلاقات والبنية النفسية و التراتب الاجتماعي و الطبائع البشرية التي تنصهر جميعا في الصفة الجامعة المتمثلة في الانتماء الوطني و الديني و الإنساني، وقد جاء السرد على لسان الأنثى في الفصول العشرة الأولى التي حشد لها الكاتب سمات مميّزة: أوّلها كونها أنثى، وثانيها بياض لونها، وثالثها انتماؤها الجغرافي الذي يجعلها تتسم بالاغتراب عن وطنها الأصلى ، ثم جمالها وشريحتها الاجتماعية التي قادتها إلى الزواج ممّن لايشاكلها لوناً أو هويّة ؛ مما جعلها مغتربة الهوية و اللون والجنسية و المجتمع على غير إرادتها ؛ إذ كانت مرتبطة عاطفيّاً بشاب من أبناء جلدتها ، اختار له الكاتب اسم (ماهر) وهو اسم له دلالته ، مما هيّأ الأجواء لصراع نفسي ورفضٍ إراديٍّ للمصير الذي اختير لها فجعلها أسيرة خواطرها وأفكارها وهواجسها وأحلامها، وجعل العلاقة الزوجيّة التي تربطها بزوجها حسِّية شهوانيّة اغترابيّة تقتصرعلى الممارسات الحميمة التي تتقبلها مرغمةً راغبةً عنها تعيشها تحت ضغط الواقع وضرورات الوجود،هامشيّة في وجدانها بينما تعيش حياة عاطفيّة افتراضيّة مع حبيبها الأول ، ما يجعلها تطفو على سطح الزمان و المكان والممارسات الاجتماعيّة السطحية الروتينيّة كارهة لها ،مضطرة لها بحكم الواقع : “ حين أغلق عبده الباب خلفه وقف أمامي كإلهة وطلب مني النهوض كملك و وقفت أمامه كرهينة ، فلم يكن منه إلا أن احتضنني بين ذراعيه القويتين و صدره العملاق فشعرت أن أضلاعي تنكسّر” هذه الفقرة التي جاءت على لسان الساردة تلخّص الموقف كله،هذا من حيث الشعور بالاغتراب النفسي الذي تشعربه الساردة بوصفها ضحية حُرمت من رغبتها في الزواج من حبيبها ماهر . أما فيما يتعلق بتقنيات السرد و معمار الرواية فإن الكاتب قد خالف المألوف في ترتيب الفصول فقام بالبدء من آخرفصل من فصولها الثلاثين التي جعلها بعدد أيام الشهر؛ فأحداثها تقع في مدى زمني ينحصر في ثلاثين يوماً لا يتعدّاها كل يوم يشكّل فصلًا مستقلًا.؛ وأما الترتيب العكسي فيُعدُّ من ملامح التجديد في الرواية ، ولكنه ليس مبتكراً تماماً فهذا النمط من ترتيب الفصول مألوف في الروايات العالمية . فهناك عدد من الروايات العالميّة والعربيّة التي استخدمت السرد العكسي أو البناء الزمني المعكوس، لكن بدرجات مختلفة ، غير أن المؤلف في هذه الرواية جعل الأحداث تتراجع في سياق زمني خطي من النهاية إلى البداية ، و من أشهر الأمثلة ذات الترتيب العكسي في الروايات ىالأجنبية رواية، مارتن أميس (قوس الزمن) حيث يرى القارئ الموت قبل الحياة، والنتائج قبل الأسباب، وقد استثمر أميس هذه التقنية لإعادة النظر في التاريخ والذاكرة والأخلاق وهارولد بنتر في مسرحية لا رواية، لكنها من أشهر الأعمال التي تُروى عكسيًا؛ تبدأ بانهيار العلاقة العاطفية ثم تعود تدريجيًا إلى بدايتها وكذلك الروائية سارة ووترز وغيرهم والسرد العكسي الكامل أقل شيوعًا في الرواية العربية، لكن توجد أعمال تعتمد على: البدء من النهاية ثم العودة إلى الأسباب. أو كشف الماضي تدريجيًا عبر الاسترجاع (Flashback). ومن أشهر الروايات العربية التي تبدأ من نتيجة أو مصير معروف ثم تعود لتفسيره (اللص والكلاب لـ نجيب محفوظ (ليست عكسية بالكامل، لكنها تبدأ بعد الحدث المفصلي، وكذلك ( ذاكرة الجسد لـ أحلام مستغانمي) حيث تتشكل الحكاية عبر الذاكرة أكثر من التسلسل الزمني الخطي، ولكن السحيمي في هذه الرواية ينحو منحى مختلف عمن ذكرناهم سابقا وعمن يقاربهم ، مثل إبراهيم الكوني و إلياس خوري اللذين لم يلتزما الترتيب العكسي المنتظم بل عمدا إلى ىتفكيك الزمن؛ فميزة هذه التقنية السرديّة أنها تحوّل القارئ إلى باحث عن الأسباب، فيقرأ الرواية كما لو كان يتتبّع المقدمات التي قادت إلى هذه النتائج . وقد اختار السحيمي لكل عشرة فصول عنواناً فرعيّاً ، والعناوين الفرعية ليست مصادفة مجانيّة ؛ بل ذات دلالة لا تخلو من الإيحاء الرمزي ؛ فأثر القطن (الأيام 30–20) له علاقة مباشرة بشخصية سحر، وهو محور مركزي في هذه الفصول يطغى على واقعها وإحساسها وعلاقاتها بزوجها أسود البشرة؛ فالبياض يأتي نقيضاً للسواد في المحتوى ، و ليس الشكل فحسب ؛ و دلالة القطن في المِخيال العربي يرتبط بالبياض و النعومة والخفة و النقاء فاسم البطلة ذاته (سحر بياض) لذلك يمكن فهم «أثر القطن» بوصفه أساس التعامل معها في حياة الشخصيات؛لكن الكاتب لم يسمِّ القسم «القطن» بل أثر القطن أي دورالبياض في مصير سحر وضوابط العلاقات معها أما (رائحة الإسفلت) (الأيام 19–11) فهذا القسم مخصّص لصوت عبده غطفان زوجه ؛ والإسفلت مادة سوداء قريبة دلاليًا من «القار» نفسه، وهو يعكس شعور سحر نحوه ؛ إذ قرنته إلى رائحة القار في الطرقات ، وهي رائحة غير مريحة، وتبدو معادلاً موضوعيّا للعلاقة معها ، فهو يشير إلى لونه الأسود وخشونة تعامله معها ،وحرارته التي تضايقها وقسوة الحياة معه ، و الرائحة أقل تأثيراً في الحسّ من الأثر؛ فهو شعور غير مرئي ؛ فالسواد كما يفسّره البعض رمز لمحيط اجتماعي وحسّي يملأ الأفق الاجتماعي . أما العنوان الثالث (للخفافيش عيون أيضًا) (الأيام 10–1) فهذا القسم يضم أصوات ثانوية الأدوار في الرواية؛ فالخفافيش مرتبطة بالرؤية في الظلام وهي قريبة المعنى من العمى؛ ولكن الحقيقة أن للخفافيش عيونًا بالفعل، وهذه إشارة إلى دور الشخصيات الهامشيّة في فهم الواقع ، وهذا ينسجم مع القسم الأخير من الرواية، حيث تنتقل الكلمة إلى شخصيات كانت على هامش الحكاية ؛ وهذا يشير إلى عمومية الرؤية وانكشافها وإدراك الحقائق التي تبدو ملغزة من قِبَل الجميع حتى أولئك الذين يظنونهم يعيشون على الهامش. وتقع شخصيات الرواية في دوائر ثلاث بين النمذجة و التنميط و الترميز – فيما أعتقد - وأعني بالنمذجة الشخصية النموذج التي تمثل شريحة اجتماعية بخصائصها الرئيسة، و هي متطوّرة وحيويّة و يمثّلها في هذه الرواية عبده غطفان الذي خلع عليه الكاتب مجمل صفات العرق الذي ينتمي إليه دون أن يخلّ بصفته الإنسانية أو انتمائه الوطني ، وأما التنميط فتوصف به الشخصيات الثانوية التي تغادر موقعها في هذا التصنيف لتعبّر عن وجهة نظر جماعيّة لدى طائفة يُظن أنها مهمشة بينما تدرك بحسها الجمعي حقائق لاتخطئها العين ، أما شخصية سحر فهي أقرب إلى الرمزيّة ، ولكنها رمزيّة حيّة وليست دالّا مُفرَغا من حيويّة الشخصية الفاعلة. من هنا يمكن القول إن عبده يقترب من النموذج الإنساني الاجتماعي الذي يعكس خصوصية إنسانيّة بشريّة بملامحها البارزة ؛وليس نمطاً جاهزاً ودلالة عامة ثابتة تُعرف بها الشخصيات الشائعة مهنيّاً ونوعيّاً وعرقيّاً. .إن رمزيّة سحر ليست مجرّدة مطلقة الدلالة ؛بل هي ذات بعد اجتماعي واقعي تحيط بها هالة توحي برمزيّتها ؛ إذ يتقاطع فيها الرمز مع النموذج ؛ فهي مستلّة من تربة الواقع، وليست منحوتة من صخرة اللغة فحسب ؛ بل هي كائن اجتماعي أنثوي له طموحاته ومشاعره و تطلعاته أما الشخصيات الثانوية فتمثّل رأياً عامّاً ، فهم شهود مرحلة ، وعيونها المبصرة تدرك حقائق الواقع وترى ملامحه ،وهي تنظر إلى التراتب الاجتماعي و الهوية والمواقع المحورية و الهامشية . تمثل هذه الرواية اتجاهًا مختلفًاً عما هو سائد ؛إذ تهتم بالهامش الاجتماعي والأسئلة المرتبطة بالهوية والاختلاف ، وهي أيضًاً امتداد لبعض الثيمات التي اشتغل عليها السهيمي في أعمال أخرى ، مثل الأرض لا تحابي أحدا، وحياة بنصف وجه، حيث يظهر اهتمامه بالشخصيات التي تعيش نوعًا من الشعور بالنقص أو العزلة أمام المجتمع. لقد عمد الكاتب إلى بوليفونية متعدّدة الأصوات، فجعل الفصول العشرة الأولى تُروى على لسان سحر الشخصية الرئيسة الأولى ،منطلقةً من مشاعرها الداخليّة وهواجسها وأسرارها وعلاقتها بحبيبها الأثير ؛ فالتبئير داخلي يرصد ويحاور و يعبر و يستبطن ؛ وكذلك عبده الذي تولى السّرد بضمير المتكلم بصفته الراوي المشارك، شأنه شأن سحر وهما بطلا الرواية بالمفهوم التقليدي، و لكن كلاً منهما له خواطره وأحاسيسه و منطلقاته ومشاعره اتجاه القضاء المكاني و الزماني في الرواية ، حيث تتقاطع الأزمنة النفسيّة و الموضوعيّة و الكونيّة ، أما الفصول العشرة الأخيرة فقد عهد بها إلى الشخصيات الثانوية التي يمكن وصفها بالصوت الاجتماعي المحيط ، وأدوارهم هامشيّة تتقاطع مع الصوتين الرئيسين وتساعد في جلاء المواقف وتصوير الواقع : صالحة غطفان و يحيى أبو جركن وحسن خبزة وقاسم غطفان وناجية سعيد وحسين وخيرية ومحمود مرزية و أبو حسين ، ولكلٍّ دوره وقضيته و مشاغله ، و لا يتسع المجال لتفصيل القول في رؤاهم وأدوارهم وعلاقاتهم ومنظوراتهم بوصفهم شهود مرحلة . إن العتبة الرئيسة في الرواية ممثّلة بالعنوان ذات دلالة جامعة تنطوي على الثيمة الرئيسة التي تعالج جانباً مهمّاً من جوانب البنية الاجتماعية بذكاء و روية بدلالتها الرمزيّة والواقغية والاجتماعية ، وتحليل مثل هذا العمل الروائي الذي يتجاوز مئتين وخمسين صفحة في ثلاثين فصلاً بما تزخر به من شخصيات وتفاصيل و وقائع وخلفيّات اجتماعية وبيئات مكانيّة وأزمانٍ نفسيّة وكونيّة وتاريخيّة وطبيعيّة يحتاج إلى دراسة موسّعة لاتفي بها مساحة محدودة.