عباءة الخير المصطنع.

ليس كل من رفع شعار الخير أراد به الخير وليس كل من تحدث باسم العطاء كان هدفه العطاء. فالعمل الخيري في جوهره رسالة إيمانية سامية تقوم على الإخلاص وابتغاء الأجر بعيدًا عن الأضواء والضجيج والمكاسب الشخصية. لكن المؤسف أن البعض حوّل هذه الرسالة النبيلة إلى منصة للظهور ووسيلة لصناعة الصورة وتسويق الذات أو تحقيق حضور اجتماعي حتى أصبح المشهد في بعض الحالات أقرب إلى الاستعراض منه إلى الإحسان. وحين يخرج العمل الخيري من دائرة الإخلاص إلى دائرة الاستعراض فإنه لا يسيء إلى نفسه فحسب بل يسيء إلى الوطن وجهوده ومؤسساته فبعض الرسائل التي تُسوَّق تحت عنوان المساعدة والعطاء توحي للمتلقي في الداخل والخارج بأن هناك نقصًا أو تقصيرًا في الخدمات بينما الحقيقة على أرض الواقع مختلفة تمامًا. وهنا تتجلى أهمية ما أكده معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور عبداللطيف آل الشيخ حين أشار إلى أن بعض الإعلانات والمقاطع المتداولة رسمت صورة غير صحيحة عن واقع الخدمات المقدمة وأوحت بوجود احتياج أو تقصير لا أساس له رغم ما توفره الدولة من إمكانات وخدمات متكاملة لضيوف الرحمن. إن المملكة العربية السعودية لم تجعل خدمة الحجاج والمعتمرين مشروعًا موسميًا بل مسؤولية وطنية وإنسانية ودينية سخّرت لها الإمكانات والكوادر والموارد حتى أصبحت تجربتها في إدارة الحشود وخدمة ضيوف الرحمن نموذجًا عالميًا يُشار إليه بالبنان. ومن المؤسف أن يأتي بعض الباحثين عن الشهرة أو صناعة المحتوى ليختزلوا هذه الجهود العظيمة في مشهد عابر أو مقطع مصور يوحي بأنهم أصحاب البذل والعطاء والأعمال الخيرية بينما آلاف الرجال والنساء يعملون على مدار الساعة خلف هذا النجاح الكبير. فالعمل الخيري الحقيقي لا يحتاج إلى استعراضٍ تسويقي مبتذل ولا إلى صناعة بطولاتٍ وهمية ولا إلى محتوى يسعى إلى جذب التفاعل على حساب الحقيقة أو على حساب الجهود الوطنية الكبيرة التي تُبذل في خدمة ضيوف الرحمن فالخير في جوهره رسالة إخلاص وعطاء تسمو بقيمتها حين يُبتغى بها وجه الله لا حين تُسخَّر لصناعة المشاهدات أو تحقيق الحضور على حساب الواقع والمنجز الوطني. وحين يتحول العمل الخيري إلى أداة للظهور فإنه يفقد جزءًا من قيمته وحين يصبح وسيلة لتشويه الواقع أو التقليل من جهود المؤسسات فإنه يتحول من رسالة بناء إلى ممارسة تسيء للخير نفسه. يبقى الخير قيمةً عظيمة لكن أعظم ما فيه صدقه وأجمل ما فيه إخلاصه وأخطر ما يهدده أن يرتدي عباءةً مصطنعة تخفي خلفها أهدافًا لا علاقة لها بالعطاء ولا بالإحسان. فالخير الذي يُراد به وجه الله يبقى أثره وإن غاب صاحبه أما الخير الذي يُراد به الظهور أو تحقيق المآرب الشخصية فلا يلبث أن تسقط عنه الأقنعة مهما تزيّن بالشعارات وبين الإخلاص والاستعراض فرقٌ يدركه الناس وتكشفه الوقائع وتحكم عليه النوايا قبل الكلمات. أما وطنٌ سخّر إمكاناته وموارده ورجاله لخدمة ضيوف الرحمن، فلا يحتاج إلى من يصنع لنفسه بطولةً على هامش منجزاته ولا إلى من يبحث عن مجدٍ شخصي في ظل جهودٍ وطنيةٍ عظيمة وتبقى الإنجازات شاهدةً لأهلها مهما حاول البعض ارتداء عباءة الخير المصطنع. *عضو هيئة الصحفيين السعوديين