من زبيدة بنت جعفر إلى إيفيلين كوبولد ..

كيف خاضت النساء رحلة الحج .

في قلب التاريخ الإسلامي، يتجلى الحج كنداءٍ ممتد عبر الزمن، تمضي إليه الأرواح قبل الأجساد، حيث تتساوى الخطى وتتآلف القلوب في مشهدٍ جامع، يختزل معنى الإيمان والتسليم، ويحوّل الطريق إلى تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان، وتمتد في الذاكرة كأثرٍ لا ينمحي. خاضت النساء هذه الرحلة عبر القرون بعزيمةٍ متماسكة، وكتبن على دروبها سيرة موازية، سيرة تتكثف فيها معاني الصبر والمشقة والشوق. من سلطاناتٍ قدن المواكب، إلى نساءٍ عاديات حملن زادهن القليل وإيمانهن الكبير، توحّد الهدف: بلوغ البيت الحرام وتجديد العهد. في يومياتهن تتكشف قدرة على التحمّل، ومرونة في التكيّف، وإصرار على عبور الطريق رغم قسوته، في أزمنةٍ ضاقت فيها الوسائل واتسعت فيها المخاطر. الحج تجربة تحوّل عميقة، والمرأة فيه حاضرة بوصفها فاعلة في هذا التحوّل، تحمل أدوارها المتعددة، وتستجيب للنداء، تمضي في مسارات تختبر الجسد وتصفّي الروح، فتخرج بوجهٍ آخر للذات، أكثر صفاءً وأشد اتصالًا بالمعنى. رحلة تتطلب قوة داخلية تتجاوز حدود التعب، وتفتح أفقًا جديدًا للفهم والتجربة. في طليعة هذه المسيرة، تظهر السيدة زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد. شخصية ذات نفوذ وثراء عظيمين، سخّرتهما لخدمة الحجاج. إنجازها الأبرز مشروعها الضخم المعروف بـ “درب زبيدة”، طريق الحج الذي يربط الكوفة بمكة المكرمة. هذا الدرب يعتبر شبكة متكاملة من الخدمات تضمن راحة وسلامة الحجاج. أمرت بإنشاء محطات استراحة، حفر آبار للمياه، بناء برك لتجميع الأمطار، توفير الخدمات الأساسية على طول الطريق الصحراوي الشاق. أنفقت مبالغ طائلة في هذا المشروع، وصلت إلى أرقام فلكية خلال إحدى رحلات حجها. تلك الأرقام، رغم ضخامتها، تعكس حجم التزامها وعمق إيمانها، رغبتها في تيسير الحج على المسلمين. يوميات زبيدة، رغم عدم وصولها إلينا بشكل مباشر، آثارها العمرانية لا تزال شاهدة على كرمها وعنايتها بالحجاج، مما يجعلها رمزاً للمرأة التي استخدمت سلطتها لخدمة الدين والمجتمع. رحلتها إلى الحج، وما تبعها من مشاريع، كانت تعبيراً عن إيمان عميق ورغبة صادقة في خدمة ضيوف الرحمن، ترك إرث يدوم لقرون. في العصر المملوكي، برزت شخصيات نسائية أخرى مثل خوند طغاي، زوجة السلطان الناصر محمد بن قلاوون. رحلة حجها في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) عُرفت بكونها رحلة باذخة مترفة، تعكس مكانتها وثراءها. حملت معها البقول في أواني فخارية على ظهور الجمال، سيرت الأبقار الحلوب طوال الطريق لتوفير الحليب الطازج والجبن لحاشيتها. هذه التفاصيل، رغم ظهورها كترف، تظهر كيف كانت النساء من الطبقات العليا تواجهن مشقة السفر، حتى مع توفر الإمكانيات، كيف كن يحرصن على توفير أقصى درجات الراحة في رحلتهن الروحية. تلك الرحلات الملكية كانت بمثابة قوافل متنقلة، توفر كل ما يلزم من طعام وشراب وخدمات، مما يضمن راحة الحاجات من الطبقة الحاكمة، يعكس في الوقت نفسه عظمة الدولة وثراءها. بعيدًا عن هذا العالم، تنفتح صفحات أخرى لنساء من طبقات متعددة، تركن يوميات وملاحظات ترصد تفاصيل الرحلة ومشاعرها. نصوص قليلة في عددها، عميقة في دلالتها، تكشف عن الخوف والرجاء، التعب والسكينة، لحظات الانكسار والتحول. في هذه السرديات تتجلى إنسانية التجربة، حيث تمضي المرأة في طريق طويل، مدفوعة بنداء داخلي لا يخفت. ومن بين هذه الأصوات، الليدي إيفيلين زينب كوبولد، امرأة بريطانية اعتنقت الإسلام، قامت برحلة الحج عام 1933، لتكون أول امرأة بريطانية تؤدي هذه الفريضة. وثقت الليدي زينب تجربتها في كتابها الشهير “الحج إلى مكة”. تصف رحلتها الشاقة من اسكتلندا إلى الحجاز، مروراً بمصر والسويس، كيف واجهت صعوبات السفر في تلك الحقبة. رحلتها كانت مزيجاً من المغامرة الروحية والثقافية. تروي كيف تعلمت اللغة العربية في طفولتها بالجزائر، كيف وجدت الإسلام يترسخ في قلبها دون أن تدري. لحظة إعلان إسلامها أمام البابا في روما كانت نقطة تحول في حياتها، دفعتها نحو تحقيق حلمها بأداء الحج. تصف مشاعرها العميقة عند رؤية الكعبة المشرفة لأول مرة، كيف تلاشت كل مشاق السفر أمام عظمة هذا المشهد. تتحدث عن الزحام، عن التنوع البشري، عن الشعور بالوحدة في البداية ثم الاندماج في هذا المجتمع الروحي الكبير. قارنت بين حياتها في الغرب والروحانية التي وجدتها في الحجاز، كيف أن الإسلام منحها شعوراً بالانتماء والسلام الداخلي. يومياتها تقدم منظوراً فريداً لامرأة غربية اعتنقت الإسلام، تخوض هذه التجربة الروحية بكل جوارحها، تكشف عن قدرة الإيمان على تجاوز الحواجز الثقافية والجغرافية. في القرن التاسع عشر، قدمت لنا نواب سكندر بيجوم، حاكمة بوبال الهندية، انطباعاتها عن مكة في كتابها “رحلة إلى مكة”. ملاحظاتها الدقيقة حول الإدارة والأوضاع الاجتماعية في الحجاز، بالإضافة إلى وصفها للمناسك. كتاباتها تعكس نظرة امرأة ذات سلطة ومكانة، تظهر اهتمامها بالتفاصيل الإنسانية والاجتماعية للرحلة. كانت ترصد بدقة تنظيم القوافل، الخدمات المقدمة للحجاج، حتى سلوكيات الناس. يومياتها ليست مجرد سرد لرحلة حج، هي وثيقة تاريخية واجتماعية تعكس واقع الحج في عصرها، من منظور امرأة حاكمة تهتم بشؤون رعيتها وتفاصيل الحياة اليومية. كما تروي لنا يوميات أخرى، مثل تلك التي كتبتها مهرماه خانم، عن رحلتها من إيران إلى العراق ثم الحجاز. تصف مهرماه خانم مشاق الطريق، المخاطر التي كانت تحدق بالمسافرين، كيف كانت النساء تواجهن هذه التحديات بشجاعة وصبر. هذه اليوميات، رغم إيجازها، تعطينا لمحة عن الحياة اليومية للحاجات في تلك العصور، كيف كن يتغلبن على الصعاب الجسدية والنفسية. قصص عن نساء عاديات، يتركن بيوتهن وأهلهن، يخضن غمار الصحاري والبحار، مدفوعات بإيمان لا يتزعزع، رغبة في تحقيق الركن الخامس من أركان الإسلام. رحلة الحج عبر القرون حملت مشقات قاسية؛ حرارة الصحراء، ندرة الماء، أخطار الطريق، ازدحام القوافل. النساء واجهن هذه التحديات بعزيمة صلبة، يستمددن القدرة من إيمان عميق وشوقٍ دائم. وفي قلب هذه المعاناة، تولدت لحظات إنسانية دافئة، حيث تتشارك النساء الطعام والحكايات، وتتكوّن روابط تمنح الرحلة بُعدًا جماعيًا يخفف وطأتها. وعند الوصول، تتبدل الملامح؛ رهبة المكان تذيب التعب، وسكينة الحرم تملأ القلوب. في هذا الفضاء، تلتقي نساء من ثقافات متعددة، تتلاشى الفوارق، ويتحوّل الحج إلى مساحة معرفة وتبادل، وإلى تجربة جامعة تتكثف فيها معاني الوحدة. ومع تحوّلات العصر، تبدّلت أدوات الرحلة؛ وسائل نقل حديثة، تنظيم أدق، حضور أوسع للمرأة في إدارة وخدمة الحجيج. ومع اختلاف الظروف، يبقى الجوهر ثابتًا: صبرٌ، وارتقاء، وسعي نحو الصفاء، وتجربة تتجدد في كل زمن دون أن تفقد معناها. تمتد سيرة النساء في الحج كخيطٍ من نور عبر التاريخ؛ من زبيدة التي مهّدت الطريق، إلى شجر الدر التي أعادت له الحياة، إلى كوبولد التي كتبت التجربة، وصولًا إلى نساء اليوم اللواتي يمضين في دروبٍ أكثر يسرًا وأعمق أثرًا. دروبٌ تُكتب فيها الحكايات بالإيمان، وتظل مفتوحة لكل قلبٍ يعرف كيف يمضي نحو المعنى، في رحلة لا تنتهي.