فيروز .. صوت سقط من قطار النسيان.
فيروز وطنٌ من الخيال والموسيقى يستوي فوق عالمنا؛ نشعر به ونحلم، لكننا لا نعيش فيه. شيء يشبه الفردوس. خلقت لنا هذه السيدة ذاكرةً ملوّنة، بينما الواقع رمادي. هل سمعتها وهي تغني: «أنا خوفي من عتم الليل والليل حرامي»؟ الليل حرامي؟ يا إلهي، كيف اهتدى الرحباني، الذي كتب هذه الجملة، إلى هذا المعنى المفزع! الليل حرامي؛ يسرق الحب واللهفة من القلوب. أنثى ترسل إنذارها الرقيق إلى الحبيب، وتتوسل إليه ألّا يسبقه إليها الليل: «يا حبيبي تع قبل الليل». تعال قبل أن يسرقني الليل! أي جمال وبذخ في هذه الأغنية المليئة بالشجن والحنين والغياب. وهي واحدة من أغانٍ كثيرة لفيروز تنصب بها الفخاخ وتتربص بنا. أغانٍ عميقة وشفافة تمتد كالأيادي إلى الحناجر، وتنتزع الكلمات التي تاهت قبل أن تُنطق، لتُقال نيابةً عنا. ليست مجرد أغانٍ سريعة، بل هي التقاطة دقيقة للشعور الإنساني وتقديس له حتى في أكثر حالاته ضعفًا. اسمعها وهي تقول في أغنية أخرى: «صرت بلا وعي، شي يقلّي تعي وشي يقلّي ارجعي، والدني عرفت شو بنا». إنه أدق وصف للحظة الانغماسة الأولى في الحب؛ ذلك الارتباك الذي يصعب التقاطه والإمساك به. هذه الأغاني التي تستيقظ الحياة على نغماتها، وترسم في الخيال عوالم من الجمال، وحكايات متخيلة لأحبة فاتتهم المواعيد، وزحف الليل دون أن يمنح أحلامهم الدافئة فرصة واحدة. كيف يعود من علق في زمن الموسيقى العتيقة، وقصص العشاق وعذاباتهم بكل هذه العذوبة، إلى عالم صنعت الآلة والعقل الإلكتروني فيه كل شيء؟ عالم من الموسيقى الهشة، أو لنقل سريعة الذوبان، تنتشر في الفضاء الرقمي بضغطة زر، لكنها تُنسى وتذهب إلى قاع الذاكرة خلال ساعات. بينما يستمر صوت فيروز من بعيد يغني لبيروت وبردى، ولعيني عليا والتنورة النيلية، وللمنديل الأصفر والشتاء والطرقات المبللة، لليل وسواده، وللضوء في أول طلوعه وتلويحات الوداع، للبدايات والنهايات. كصوت سقط من قطار النسيان ليتلقفه الخلود. ترى كيف سيكون عالمنا لولا صوت فيروز؟ سيكون أكثر عتمة، لا شك. فيروز، والنجوم التي ضاعت بالتفاتتها، والأغاني التي سيُحكى عنها حتى يفنى الزمن، وأحبتها الذين تختارهم هاربين أو حمقى، وقدسيتها وهيبتها على المسرح وهي تغني وكأنها قادمة مؤقتًا من فردوس بعيد ثم تعود إليه. فيروز، صوت الملائكة الذي طوعته يد الرحابنة وصاغت ذهبه وأرسلته إلى العالم كقلق لا يهدأ، وحكاية بنت تجلس على الطرقات والأبواب وتحت المطر، وتفتش في الأودية وتحت سواد الليل عن حبيب لم نعرف كيف نلتقط ملامحه، وكيف نمسك بيديه لنجعله يعانق هذه الفتاة المتروكة على حافة الغياب لعمر كامل. يطل في الخيال وتراه وحدها بين الناس، وكأنه رجل المستحيل؛ رجل لا يذهب أبدًا ولا يأتي أبدًا. فيروز التي خلق صوتها لنا عالمًا لا يشبه هذا العالم؛ عالم فيه ضيعات ممتدة، وصبايا يرقصن، وشبابيك مفتوحة، وأبواب محمّلة بالحنين، وأحبة يأخذون غفواتهم تحت الجسور، أو يسهرون أمام الموقد. عالم من الوجع والحب والجمال يرقص فوق عالمنا المدمر مباشرة. لم يكن لصوتٍ قط أن يبتكر زمنًا وأمكنة كما فعل صوت فيروز، التي جعلت من لبنان وطنًا نتوق إليه، ونرغب في الضياع بين جباله، ونتخيله من خلال صوتها فقط وطنًا فيروزيًا حالمًا، بينما يغرق في الشتات والقهر. ولعل سرّ فيروز الحقيقي أنها لم تكن مجرد صوت جميل، بل قدرة نادرة على تحويل الحنين إلى وطن، والانتظار إلى أغنية، والخسارات الصغيرة التي نعبرها كل يوم إلى جمال يمكن احتماله. لذلك لا تبدو أغنياتها ابنة زمن بعينه، بل كأنها تقيم خارج الزمن نفسه؛ تعبر الأجيال دون أن يبهت بريقها أو تفقد قدرتها على ملامسة ذلك الركن الخفي في الإنسان، حيث تختبئ الذكريات والأحلام والأسئلة التي لا تجد جوابًا. وحين يخفت ضجيج العالم، وتتوارى أسماء كثيرة في النسيان، يبقى صوت فيروز معلقًا في مكانه، كضوء بعيد في آخر الطريق، يذكرنا بأن الجمال مرّ من هنا يومًا، وأنه ما زال قادرًا على النجاة من كل ما يلاحقه الفناء.