أكتبُ هنا بصفتي قارئاً ارتبط باليمامة منذ طفولته المبكرة، وأستعيد علاقتي بها من زاوية ذلك الفتى الذي كان يعيش في الجوف في زمن لم تكن فيه الصحف والمجلات تصل بسهولة إلى المناطق البعيدة. في ذلك الزمن، كانت المجلات تمثل نافذتنا الأوسع على العالم العربي، وكان وصول عدد جديد منها حدثاً ينتظره القراء بشغف. وكانت المجلات الأسبوعية العربية، وبخاصة اللبنانية، تحظى بحضور لافت، بما تمتلكه من إمكانات فنية وصور ملونة وأغلفة جذابة، مثل مجلة الأسبوع العربي ومجلة الجمهور الجديد ومجلة الخواطر ومجلة الحوادث وغيرها. ومع ذلك، كان لمجلة اليمامة مكانة مختلفة في النفوس. فعندما كانت تصلنا في الجوف، كنا نشعر بالاعتزاز لكون اليمامة مجلة سعودية تحمل اسم الوطن وصوته وصورته، وتكتب عن قضاياه وشخصياته وأحداثه. وقد استطاعت اليمامة أن تنافس بجدارة مجلات عربية عريقة تمتعت بإمكانات كبيرة وجاذبية بصرية عالية. ولم يكن سر نجاح اليمامة في الألوان والإخراج الفني، وإنما في المحتوى وفي قدرتها على أن تكون مرآة للمجتمع السعودي. بالطبع، لم أكن من قراء أعدادها الأولى المبكرة التي أصدرها الشيخ حمد الجاسر رحمه الله كإصدار شهري ثم أسبوعي، فقد صدر العدد الأول قبل مولدي، لكنني عرفتها في طفولتي من خلال الأعداد التي كانت موجودة في مكتبة والدي رحمه الله، وكانت تلك الأعداد تفتح أمامي نافذة واسعة على عالم أكبر من حدود المكان الذي كنت أعيش فيه. ومن خلالها، وعبر الأطوار التي مرت بها اليمامة في أحقاب زمنية متتابعة، تعرفت على أسماء الكتّاب والمفكرين والأدباء، وتابعت الشأن الثقافي والاجتماعي في المملكة، وبدأ يتشكل لدي ذلك الشغف بالقراءة والمتابعة. وقد عدتُ إلى أرشيفي الخاص، الذي يضم أعداداً كثيرة من اليمامة القديمة والحديثة، أستعيد من خلاله شيئاً من ذكريات رحلتي الطويلة مع هذه المجلة العريقة، وذلك تحضيراً لكتابة مقال للعدد التذكاري الذي يصدر بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاماً على انطلاقتها. وخلال هذه الجولة في الذاكرة، استوقفتني أسماء كثيرة تعرفت إلى أصحابها أول مرة عبر صفحات اليمامة، ثم مضت السنوات لأجدني على صلة ببعضهم صداقةً ومودةً وعلاقات عمل. ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، الدكتور غازي القصيبي، والأستاذ فهد العريفي، والدكتور عبدالله مناع. عرفتُ الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله، قارئاً لقصائده التي كانت اليمامة في سنواتها المبكرة تنشرها. وقد رغبت، أثناء تحضيري لهذه المقالة، في العودة إلى الأعداد التي نُشرت فيها بعض تلك القصائد، لأستلهم منها ما يعيدني إلى أجواء تلك الحقبة فأكتب عنه. ومن الطريف أنني وجدت في العدد (124) الصادر بتاريخ 29 جمادى الآخرة 1386هـ، الموافق 14 أكتوبر 1966م، خبراً عن الدكتور غازي القصيبي جاء فيه: “الأستاذ الشاعر غازي القصيبي سيوافي القراء في أعداد اليمامة القادمة بقصائده الشعرية.. بقي أن نخبركم أن الأستاذ علي الخرجي حين تسلم واحدة من قصائده لإجراء الرسم التعبيري، اندهش وقال بإعجاب واضح: يا سلام.. القصيبي هذا مين؟ ولما عرّفنا الأستاذ الخرجي بالشاعر القصيبي تذكره جيداً، ونحب بالمناسبة أن نلمح للقراء بأن الشاعر يعمل معيداً بجامعة الرياض”. ثم يضيف الخبر أن الشاعر صدر له ديوانان شعريان، أولهما قطرات من ظمأ، والثاني أشعار من جزائر اللؤلؤ، وأن الأخير لم يكن قد وُزّع في الأسواق بصورة نهائية بعد. كنتُ يوم صدور ذلك العدد تلميذاً في المرحلة المتوسطة، ولم أكن أعلم أن الأقدار ستجمعني بعد سنوات طويلة بالدكتور غازي القصيبي نائباً له عندما كان وزيراً للعمل، وأن أستمتع بحوارات ثقافية ثرية شبه يومية معه، قبل أن يختطفه الموت، رحمه الله رحمة واسعة وعرفتُ الأستاذ فهد العلي العريفي رحمه الله، عن بُعد، أديباً يكتب القصة القصيرة في ذلك الزمان في مجلة اليمامة، فعدتُ إلى أعداد اليمامة القديمة أفتش عن قصصه التي طالما استمتعت بقراءتها. فوجدت عدداً منها، من بينها قصة منشورة في العدد نفسه (124) بعنوان “وابتسمت الأيام”. غير أن دهشتي كانت أكبر عندما عثرت في العدد (117) الصادر بتاريخ 10 جمادى الأولى 1386هـ، الموافق 26 أغسطس 1966م، على قصيدة له بعنوان “صرخة الثأر”، تصور معاناة فدائي فلسطيني عذبه الصهاينة. ثم دارت الأيام، وجمعتني بهذا الأديب الكريم أواصر صداقة ومحبة استمرت سنوات عديدة إلى أن انتقل إلى رحمة الله. ومع ذلك كله، لم أكن أعلم أنه كان ينظم الشعر إلى جانب كتابته للقصة القصيرة والمقالات الأدبية والاجتماعية، ولم أكتشف ذلك إلا الآن، وأنا أقلب صفحات اليمامة القديمة بعد عقود طويلة من صدور ذلك العدد! وأما الدكتور عبدالله مناع، فقد عرفته أيضاً عن بُعد من خلال مجلة اليمامة، التي كانت تنشر له في مطلع السبعينيات الميلادية مقالاً أسبوعياً تحت عنوان “كلمات”، وأحياناً تحت عنوان “ليل ونهار”. وكانت مقالاته تشدني بأناقة أسلوبها وسخونة محتواها، لذلك عدت إلى أعداد اليمامة القديمة أفتش عنها. فوجدت في العدد (104) الصادر في 2 ربيع الأول 1390هـ، الموافق 8 مايو 1970م، مقالاً في زاويته “كلمات” يرد فيه بحدة على الأستاذ محمد حسين زيدان. وكان المقال ساخناً إلى درجة أنني ما زلت أتذكره جيداً، إذ ترك لديَّ آنذاك انطباعاً بوجود خصومة كبيرة بين الكاتبين. ثم دارت الأيام، وتعرفت إلى الدكتور المناع عن قرب عندما عملت معه محرراً في مجلة “اقرأ” التي تأسست في ديسمبر 1974م، وكان هو رئيس تحريرها. وهناك كانت دهشتي كبيرة حين بدأت أقرأ مقالات للأستاذ محمد حسين زيدان في الأعداد الأولى من المجلة، ثم ازدادت دهشتي عندما رأيته يزور مقر المجلة في عمارة باخشب بجدة، ويشارك أحياناً في اللقاء الأسبوعي لأسرة التحرير الذي كان يُعقد ضحى كل خميس. وتساءلت يومها عن سر ذلك، فاكتشفت أن ما كان يجمع بين الرجلين، رحمهما الله، من تقدير متبادل ومودة شخصية، أكبر بكثير من الخلاف الذي أوحت به بعض المقالات. وكان في ذلك درس مبكر لي في فهم طبيعة الخلافات الأدبية، وأن ما يبدو للقارئ خصومة شخصية قد لا يكون في كثير من الأحيان سوى اختلاف في الرأي لا يفسد ما بين أصحابه من احترام ومودة. وكثيرة هي الذكريات التي تربطني بمجلة اليمامة. وما زلت أحتفظ بكثير من أعدادها القديمة، وقد تابعتها حتى عندما كنت مبتعثاً للدراسة خارج المملكة، ومازلت أتابعها حتى اليوم بنسختيها الرقمية والورقية، وقد حرصت على الاشتراك في الورقية لأسباب وجدانية ما زالت تشدني إلى الكلمة المطبوعة على الورق، كتاباً كانت أو صحيفةً أو مجلة. لقد كانت اليمامة، بالنسبة لي ولأجيال كثيرة من السعوديين، أحد المصادر الرئيسة لمتابعة مستجدات الفكر والثقافة، كما كانت سجلاً حياً للتحولات الاجتماعية والتنموية التي مرت بها بلادنا عبر العقود. ومن جميل ما أدين به لهذه المجلة أنها لم تعرفني على كتابات بعض رموز الأدب والثقافة فحسب، بل كانت، على نحو غير مباشر، جسراً إلى صداقات وزمالات ثمينة ربطتني ببعضهم في مراحل لاحقة من العمر. رحم الله مؤسسها الشيخ حمد الجاسر، ورحم عبدالله نور، وزيد بن فياض، ومحمد الشدي، وغيرهم من الراحلين الذين أسهموا في مسيرتها، وأطال الله في أعمار من هم على قيد الحياة منهم. كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير للأستاذ الشاعر عبدالله الصيخان وزملائه في اليمامة على إصدار هذا العدد التذكاري، وعلى الوجبة الثقافية والصحفية المتميزة التي يواصلون تقديمها باحترافية عالية في كل عدد جديد، رغم التحديات التي تواجه المؤسسات الصحفية في كل مكان. ----- ملاحظة: يلاحظ متصفح الأعداد القديمة من اليمامة أن ترقيم الأعداد كان يبدأ من جديد مع التحولات في مسيرتها القانونية والفنية، فقد صدرت في مراحل مختلفة كمجلةً شهرية أولاً، ثم أسبوعية، ثم صحيفة، قبل أن تعود إلى شكلها الحالي، مما أدى إلى تكرار تسلسل الأعداد أكثر من مرة.