فيلم «أسد»..

السينما كما يجب أن تكون.

منذ سنوات والسينما العربية المعاصرة تدور في حلقة مفرغة من الاستسهال الإنتاجي، حيث اختُزلت الشاشة الفضية في “توليفات” تجارية جاهزة، وغابت السينما التي تحترم وعي المتلقي وتتحدى عين البصر واليقظة الفكرية. وظل المشاهد العربي في حالة ترقب لعمل يعيد للسينما هيبتها بوصفها فناً بصرياً ودرامياً متكاملاً، حتى جاء مايو 2026 ليضع حداً لهذا الغياب الطويل. مع بداية العرض لفيلم “أسد”، بدا واضحاً أننا نقف أمام “حدث سينمائي” يؤسس لمرحلة ما بعده. فإذا سألوك اليوم عن جوهر السينما وسحرها الخالص، قل بلا تردد: فيلم “أسد” هو الفيلم السينمائي. في العرف السينمائي لا يمكن فصل القيمة الفنية لفيلم ملحمي عن سخاء الإنتاج، بشرط أن توظف الأموال لخدمة الرؤية الفنية وليس للاستعراض المجرد. فيلم “أسد” جاء مدعوماً من صندوق (Big Time Fund) بإنتاج مشترك ضخم، وبميزانية بلغت 7 ملايين دولار. هذه الميزانية - التي ارتفعت عن تقديراتها الأولية بسبب تمديد فترة التصوير - لم تذهب هباءً. المخرج محمد دياب استطاع بذكاء أن يوجد إيحاءً بصرياً بالقيمة (Production Value) يجعل المشاهد يشعر أن تكلفة الفيلم تتراوح بين 20 إلى 30 مليون دولار. يتجلى ذلك في: تصميم الديكور والملابس: تم إعادة بناء حقبة العبيد في العصر العباسي دون الوقوع في فخ الديكورات التلفزيونية المسرحية الباهتة. العمق البصري ومواقع التصوير: الكادرات متسعة وممتلئة بالتفاصيل الحية، وهذا ما منح اللقطات ثقلاً واقعياً ينقل المشاهد إلى قلب القرن التاسع الميلادي. أكبر المآزق التي تواجه السينما التاريخية هي الغرق في “التقريرية الجافة” والتحول إلى وثائقي مدرسي، لكن السيناريو الذي صاغه الثلاثي (شيرين، خالد، ومحمد دياب) تجاوز هذا الفخ عبر التركيز على الحكاية الإنسانية لـ “علي بن محمد الفارسي” وقادة “ثورة الزنج”. البناء الدرامي في الفيلم يبدأ من نقاط متناهية الصغر؛ المعاناة اليومية، والتمييز بين السادة والعبيد، والاضطهاد العنصري والاجتماعي. ومن هذه التفاصيل الصغيرة تتخلق “الشرارة الكونية” للتمرد. الفيلم يطرح أسئلة فلسفية حول الحرية والمساواة، محولاً ثورة تاريخية مضى عليها قرون إلى تيمة إنسانية عابرة للزمن، تمس وجدان أي مشاهد معاصر. خلف كاميرا “أسد” تكمن عقلية مخرج يمتلك وعياً عالمياً؛ محمد دياب، القادم من تجربة إخراج (Moon Knight) مع مارفل، يُثبت في هذا الفيلم أنه هضم تماماً التكنيك الهوليودي في إدارة المعارك وحركة المجاميع (Mass Scenes) دون أن يفقد هويته الفنية العربية. الإيقاع مونتاجياً سريع ومتدفق، مع استخدام ذكي لزوايا الإضاءة والظلال لتعميق الإحساس بالبؤس والأمل. أما المكون السينمائي الموازي للصورة، فهو الموسيقى التصويرية للموسيقار هشام نزيه. في “أسد”، الموسيقى شخصية نامية في الفيلم؛ تارةً تأتي بآلات هوائية وإيقاعات بدائية لتعكس غضب العبيد وصخب الأرض، وتارةً تميل إلى الشجن الأوركسترالي لتعميق المأساة الإنسانية. لقد نجح نزيه في صياغة “سيمفونية التمرد” التي جعلت الصوت شريكاً كاملاً في توجيه عاطفة المشاهد. سينمائياً، يرتكز الفيلم على مفهوم “البطولة الجماعية الوازنة”، فرغم محورية شخصية “أسد”، إلا أن المساحات الممنوحة لنجوم مثل ماجد الكدواني، ورزان جمّال، وعلي قاسم، وركين سعد، وكامل الباشا، وإسلام مبارك، أوجدت توازناً درامياً ممتازاً، كل ممثل يمثل طبقة نفسية وصوت مختلف داخل الصراع. التحول الأبرز؛ يكمن في الأداء التمثيلي للفنان محمد رمضان. في “أسد”، نحن أمام عملية “تطهير فني” كاملة لرمضان من نمطيته السابقة. تخلص تماماً من لزوميات البطل الشعبي التجاري واستعراض القوة المعتاد، وذاب في تفاصيل “علي بن محمد الفارسي”. رمضان استخدم هنا أدوات تمثيلية داخلية: نظرات العين، ونبرة الصوت المتهدجة تحت وطأة الظلم، والحضور البدني المدروس، ليثبت أنه ممثل قدير يمتلك طاقة تعبيرية هائلة متى ما وجد النص المحكم والمخرج الجيد. حققت أرقام شباك التذاكر - بتجاوزها 74 مليون جنيه مصري في الأسابيع الأولى (21 مايو 2026) - دلالة نقدية أعمق من مجرد نجاح مالي. إنها تمثل استفتاءً جماهيرياً يُسقط النظرية المستهلكة بأن الجمهور يريد أفلاماً خفيفة. أثبت “أسد” أن الجمهور العربي متعطش للسينما الحقيقية، وأنه على استعداد تام لدعم العمل الملحمي الجاد ذو الجودة الفنية العالية، جاعلاً منه الفيلم الأعلى إيراداً في مسيرة بطل العمل. فيلم “أسد” وثيقة بيان فني (Manifesto) تثبت أن السينما العربية قادرة على مقارعة الإنتاجات العالمية إذا ما تلاقت الإرادة الإنتاجية الجريئة مع الرؤية الإخراجية الفذة. الفيلم أعاد للنوع التاريخي اعتباره، ورفع سقف التوقعات البصرية للجمهور. باختصار: لو قالوا لك فيلم سينمائي، قل فيلم “أسد” هو الفيلم السينمائي الذي أعاد الروح والوقار للشاشة العربية بعد طول غياب.