بمعاطف عسكرية لامعة، قفازات برّاقة، نظارات وبدلات وقبعات، يدخل جمهور “مايكل جاكسون” صالات السينما، متمايلين على موسيقاه، راقصين على أنغامه، وكأنهم يقصدون حفل الـSuper Bowl الأمريكي، أو جولة عالمية بحضور”مايكل” نفسه! تتزين المتاجر بوجهه لتبيع قمصانًا، يرقص الناس في الشوارع، يتحدى الجميع بعضهم برقصة مشية القمر (Moonwalk)، يطلقون صرخة “Aoow” ودندنة “He-he” قبل أن يبدأ الفيلم حتى، فالعمل ليس فيلمًا وحسب بل عالمًا كاملًا ندخل إليه. يتسارع الجميع لعمل ترندات جديدة، تشمل رقصة “Thriller” المرعبة، أو ميلان “مايكل” الساحر في “مجرم ناعم”، أو إعادة إحياء ركلات الأرجل في “Beat it”. يعيد كثيرون فتح سيرة حياة الشخصية الأكثر جدلًا في عالم الموسيقى، عن ظروفه الخاصة والعامة، من هو؟ ماذا أحب؟ كيف كان؟ مرضه، عمليات التجميل، الدين، والهوية، الآراء، والحياة العاطفية. يتعدى الفيلم فكرة كونه فيلمًا أصلًا، هي سيرة تشتعل كالفتيل، تنطفئ قليلًا لتتوهج مجددًا، فـ”مايكل” هنا هو الحالة بذاتها، لما يتصل به من عوامل كثيرة... هو أسطورة عصره، النجم الذي لا يسطع تحت الأضواء فقط بل بعيدًا عنها أيضًا! الحاضر الغائب، المتمدد في كل المشاهد، خارج النوتات والإيقاعات والصوت والحركة، بحضوره وسيرته المتشعبة من الطفولة إلى المراهقة فالشباب. لوحات ومراحل بأغنية “Wanna Be Startin’ Somethin’/أشعر أني أريد بدء شيء ما” يستفتح المخرج فيلمه، وكأن كل أغنية في حياة “مايكل” بالإمكان أن تكون عنوانًا لمرحلة. فأغنية “ABC” تشبه تهجئة مايكل للموسيقى، وكأنه يخطو خطواته الأولى نحو الفن، مرددًا الموسيقى كلغته الأم، وخلال ذلك تحضر صورة الأب والعائلة وعلاقته المتشابكة معهم، منها إلى “لا تتوقف حتى تكتفي/Don’t Stop ‘Til You Get Enough” وانطلاقته الفردية بعيدًا عن إخوته، ثم مشاغبته مع “بيلي جين”، براعته وصورته المستقلة في “Beat it” مع راقصي الشوارع، إبداعه وجانبه اللعوب في “Thriller” الفيلم الموسيقي الذي لم يُصنع مثله في التاريخ! “مايكل” لم يكن موسيقيًا وحسب، بل كان مُجدِدًا، ترفيهيًا، مؤثرًا، سينمائيًا، أيقونة موضة، مرددًا باستمرار: “أريد أن أصنع شيئًا مختلفًا بموسيقاي وأعمالي”، ما ظهر جليًا من خلال تعاوناته وأدائه وأفكار فيديو كليباته. الجدير بالذكر أن “مايكل” هو أول فنان اخترع فكرة الفيديو كليب السينمائي الطويل، وقد أظهر الفيلم مدى تأثر “مايكل” بعالم السينما بشكل واضح. وبالحديث عن كونه مؤثرًا، لم ينس الكاتب “جون لوغان” والمخرج “أنطوان فوكوا” أن يستشهدا بإعلان بيبسي، وقصة الحادثة المؤلمة لتطعيم العمل بالدراما والتحدي، فمسيرته المملؤة بالصعاب قد دفع ثمنها غاليًا حتى آخر لحظة من عمره. ثم مع رغبته الملحة أن يكون هو مع “Human Nature” وتمرده الكامل والنهائي على والده ليتبع ذلك فترة “Bad” القوية، المشهد الذي سحر الجماهير لمدى كاريزميته، فـ”مايكل” هو شخصية تتشكل وتتلون بحسب الموسيقى، صورة ونموذج من الصعب أن تمنحها شكلًا واحدًا! وهنا أشيد بالممثل الصاعد بقوة “جعفر جاكسون” الذي حقق ذلك بمعادلة صعبة، ناجحًا في كسب الرهان، فياله من تحدٍ ورهبة كبرى أن تؤدي شخصية قريبك/عمك، ما بالك لو كان عمك هو “ملك البوب” نفسه؟ مايكل حيًا على الشاشة بالحديث عن “جعفر” وأفلام السيرة الذاتية، نتذكر أعمالًا مثل “Elvis” الذي صنع هوسًا متجددًا بـ”إلفيس بريسلي” مع ممثله “أوستن بتلر”، حين اختلطت كاريزما الممثل مع كاريزما الشخصية التي يلعبها، وهذا ما حصل مع “جعفر جاكسون” تمامًا. كلمات الإشادة بحضوره وأداءه صنعت منه نجمًا اقتبس شعاعه من شعاع “مايكل”. ففي لحظات رأى الناس “مايكل” بشحمه ولحمه، وفي لحظات أخرى رأى الناس “جعفر” وحده وكأنه مغنٍ جديد قد اقتحم الساحة، يذهل الحضور ويسرق من عمه الهالة والجاذبية. هذه المقاربة هي أغرب ما يحدث في أعمال السيرة الذاتية، ما خلق قاعدة جماهيرية لـ”جعفر” من خلال “مايكل” وجدد قاعدة جماهيرية لـ”مايكل” من خلال “جعفر”، لتخرُج لدينا حالة إعجاب متداخلة بـ”مايكل” وبـ”جعفر” في الوقت ذاته. هذا السحر صنعه الممثل بالاجتهاد والعمل الجاد، متدربًا على تقمص شخصية عمه... صوته، نبرته، تعبيراته، ضحكته، إيماءاته المسرحية، رقصه المذهل بمكياج وتعديلات ذكية. وقد يكون أو من المؤكد حتى أن عامل صلة القرابة قد ساعد في ذلك أيضًا. في مقطع يحكي فيه ابن مايكل «برنس جاكسون» عن أداء «جعفر»، يقول بتصّرف: «لكوني منتجًا في الفيلم، كان علي الفصل بين عملي ومشاعري، لكني لم أتمالك نفسي واحتضنت قريبي «جعفر» لأشعر للحظات أن والدي قد عاد»! لكم أن تتصوروا مدى براعة أداء ممثل العمل من تصريح كهذا. وفي هذا الصدد أتذكر أعمال سيرة ذاتية اختلطت فيها كاريزما الممثل بكاريزما الشخصية نفسها، مثل سيرة “فريدي ميركوري” من تمثيل “رامي مالك” أو سيرة “بوب ديلان” في “Perfect Uknown” من أداء “تيموثي شالاميه” وعلى المستوى العربي “أم كلثوم” من عمل “ًصابرين” أو “حليم” لـ”أحمد زكي”. إدمان مايكل التسويق عبر الكلام يعد واحدًا من أقوى أنواع التسويق على مدى التاريخ، فكيف لو صاحب ذلك تداول لمشاهد وتسريبات وكواليس وخفايا وتفاصيل، ضمن نطاق المشاركة والنشر على منصات التواصل الاجتماعي؟ “مايكل” بحد ذاته منتج ومادة دسمة، تسوّق نفسها بنفسها، قبل الفيلم حتى! ومع عودته للمشهد مجددًا بعد عشرين عامًا تقريبًا حقق ما لم يحققه آخرون في وقتنا الآن، متفوقًا على فنانين شباب أصدروا ألبومات وأغنيات، بل وأعلنوا عن جولات عالمية بحملات تسويقية ضخمة، ليصعد إلى المركز الأول مع أغنية “بيلي جين” على منصات الاستماع، على صعيد آخر ارتفعت مبيعات لعبة “Twister” مجددًا بسبب ذكرها في الفيلم بشكل عرضي في مشهد. ومرة أخرى مع الموسيقى، وفيديو كليب “Thriller” مثلًا الذي تجاوز عمره الأربعين عامًا، حيث يصبح كل عام حديث الناس كلها بحلول عيد الرعب “الهالوين”. هذا هو سحر “مايكل”، حضوره وسط الغياب، حضوره في كل لحظة من زوايا حياتنا. (المعجبون يحولون صالات السينما إلى حفل مصّغر) (المعجبون يحولون صالات السينما إلى حفل مصّغر) ولن يسعني الحديث عن حالات الإغماء والتأثر التي صدرت عن معجبي “مايكل” خلال الفيلم. حتى اليوم تجاوزت مبيعات فيلم “مايكل” الـ800 مليون دولار أمريكي في شباك التذاكر العالمي لعام 2026م، ليصبح ثالث أعلى فيلم سيرة ذاتية تحقيقًا للأرباح، وأزعم أن دراسة سيكولوجية الجماهير الدقيقة من قبل المخرج والمنتجين هي ما صنع نجاح الفيلم. الأمر لا يقتصر على اسم “مايكل” وحده، فكثير من أفلام السيرة ذاتية قد فشلت بل وأساءت لأصحابها. كُتب وحُرر العمل لا ليُشاهد لمرة واحدة، بل لعدة مرات متتالية... ستجد ترندًا شهيرًا على الإنترنت يصّور فيه الناس نفسهم وهم يعودون لقاعة السينما مع عبارة “الجولة الثالثة” أو “الجولة الرابعة” لمشاهدة فيلم “مايكل” مرة تلو الأخرى، وأزعم أن النهاية هي سببٌ رئيسي في ذلك، فنحن لم نشبع تمامًا من التجربة، ما يجعلنا نرغب في زيارة “مايكل” مرة بعد مرة، وكأننا لا نكتفي من تجرع إكسير الدهشة لملك البوب.