الشجرةُ والظلْ

انطلاقا من تعريفها بفن سرد الشخص لسيرة حياته أو جزء منها، هل يمكن اعتبار النتاج الأدبي للروائيين والشعراء كسيرة أدبية؟ سيما إذا شكَّل انعكاسًا خالصًا لجوانيَّاتهم في منسوبٍ وازنٍ لبعضِ النتاجات الأدبية تقريبا. وذلك لعدم الوقوع في خيانة الذاكرة التي قد يحُول عاملُ الزمن لوصولها عند البعض لكثيرٍ من التفاصيل الخاضعة لعمليَّة الغربلة الرقابية. أم ثمَّة محاذيرٌ من أبرزها أن النتاج الأدبي في الغالب يعكسُ المثالَ الذي يتوخَّاه الأديبُ وليس انعكاسًا للواقع. فالمرأة ليست بالضرورة هي المرأة في فضاء النص، بل حسب توظيفها لتأخذَ المفردةُ صيغها التجريدية ودلالاتها المرتبطة بالسياقات المختلفة، كذلك البحر والشاطئ والنورس والريح وغيرها من المفردات. كما أنَ طبيعة اللغة الإبداعية التقطير والاختزال عبر اشتغال المبدع ومنْتجَته لعمله الإبداعي بما يتطابقُ وثراء أدواته الفنية واتساع رؤيته، إضافةً لفِخاخ اللغة التي لا تترك للمتلقي في أغلب الأحيان الحكمَ بحيادية أمام غوايتها. فهل باستطاعة أحد أن يضع يده على التشوُّهات الثقافية التي تركتْها وراءَها لغةُ أكبر رموز شعراء العربية وهو المتنبي والنجاة من سهام مريديه في ذات الوقت، إضافةً إلى أن ثمة ظاهرة شائعة قد تضغط سلبًا وهي ظاهرة الأسماء المستعارة والتي تشابكتْ لتصبحَ من أبرز الظواهر القابلة للحفر والتقصي بصفتها مفردة مفتوحة على مروحة من التأويل لأسماء تشعبت جذور مسبباتها من أدباء وكتاب مشهورين عبروا عوالم الكتابة على جسور من الأسماء المستعارة بامتداد التاريخ الإنساني حتى أن بعضها صادرت الاسم الحقيقي لتستأثر هي بالصدارة. مما أدخلهم في بعض الأحيان بإشكالات منها ضياع الحقوق لقابلية السطو على النتاج وانتحاله أو ضياع نسبه البيولوجي، والسفر في مجاهيل التاريخ في حال انعدام اللحظة المناسبة لتجلية الاسم الحقيقي لأي ظرف من الظروف. لكن مع ذلك يبدوا لي ثمَّة تجارب كثيرة استطاعت تجسير الهوة بين قاموس الحياة الخاصة وقاموس اللغة الإبداعية حد التلاشي. وهنا تحضر ثلاث تجارب فنية لشاعرين وروائي في فترات متباعدة زمنيا غير أن خيوطها المتداخلة تشكل مشتركات رمزية قابلة لالتقاء مياهها حيث الثيمتان الأساسيتان البحر والسمكة. سأتوقف عند بعضها حفرا في طبقات معانيها لتحرير دلالاتها، ومستأنسا بما راكمته الدراسات النقدية لبعضها الآخر، تاركا لتلك المعاني حُرِّيةَ المناورة لاختبار شرائحها الفنية تحت مجهر السؤال بحيادية تامة. أما التجربة الأولى فهي رواية (العجوز والبحر) لكاتبها الكبير أرنست همنغواي والتي تتقاطع أحداثها بشكل رمزي مع سيرته الأدبية بكل تفاصيلها، حيث الأحداث قد تبدو من خلال القراءة الظاهرية صراعاً يدور بين إنسان وقوى طبيعية، لكن في حقيقة الأمر ثمة صراع آخر غائر في تربة النفس البشرية تشي به الرشوحات الدلالية للغة الرواية عبر خلع همنغواي على أسماك القرش صفات بشرية والتي لا تعدو كونَها ترجمةً للواقع الذي كان يعيشه من خلال تماهيه مع واقع الصياد العجوز حيث كان يعيش صراعا شبيها لكن مع مجتمعه الأدبي والصحافي وقتها في جانب ومع ذاته لاستعادة مجده الآفل في الجانب الآخر. إذا فالرواية لابد أن تقرأ باعتبارها سيرة أدبية رمزية بامتياز. فالبحر هي الحياة، والسمكة (سمكة مارلين ضخمة تعيش في المياه العميقة) هي في حقيقة الأمر لم تكن سوى حياته المحفوفة دوما بالمخاطر، أو حياته الأدبية التي تناهبها النقادُ تشكيكًا وانتقادًا، حيث توجها بذلك الصيد الضخم وهي رواية (العجوز والبحر) عام 1952م، أما أسماك القرش فهم النقاد الذين نهشوا سمعته الأدبية. وكما أن الصياد سانتياغو وصل الشاطئ بهيكل عظمي للسمكة إلا أنه استطاع أن يحقق المعجزة ويثبت لنفسه أنه لا زال قادرا على الصيد واستعادة أمجاده، كذلك هو همنغواي حظي في آخر المطاف بصيده الثمين كما أسلفنا والذي توج بجائزة بوليتزر الأمريكية عام 1953م، ثم جائزة نوبل للآداب عام 1954م. متحديا بذلك جميع النقاد الأدبيين الذين هاجموه ونهشوا تاريخه الأدبي كأنهم أسماك القرش، وكما أن السمكة لم تصل سالمة كما أرادها الصياد كذلك هو همنغواي انتهت حياته بعد أن استعاد مجده منتحرا عام 1961. أما التجربة الثانية فهي سبيطية أبي البحر الخطي، وهو الشاعر الكبير شرف الدين جعفر الخطي العبدي، وأولى الإشارات هي اسم السمكة ودلالتها لأن ما يطفو على أنه معنى بسيط له انعكاس غائر في طبقات المعنى البعيدة شاملا منظومة الكلام بأكملها فضلا عن اللغة الشعرية بصفتها لغة مجازية. وبعيدًا عن المصادرة ينبغي هنا اقتراح مروحة من الأدوات النقدية ومنها النقد النفسي الذي لا يؤمن باعتباطية الاختيارات، فكما سمكة المارلين وتعالقها بشخصية همنغواي المغامرة والجريئة حدَّ ركوب الأخطار هي سبيطية أبي البحر والتي تعبر من الأسماك الذكية والحذرة ومن أسماك النخبة. وكما البحر في رواية همنغواي كان بهافانا، فبحر أبي البحر في الخليج. إلا أن ثمة فروقات تخص رمزية السمكتين فبينما كانت في رواية همنغواي تمثل حياته أو حياته الأدبية التي عمل على السيطرة عليها واستردادها من مشارط النقَّاد في نهاية المطاف. فرمزيتها في قصيدة أبي البحر هي كونها الصورة التناظرية أو القرين لحياة الشاعر جسَّدها عبر مونولوج أسقط عليها فصولا مهمة ومركزية لسيرة كاملة تضمنت صراعات عصره وواقعه الذي عاشَه وترك جراحَه في نفسه الكبيرة، سواء فيما يخص ظروفه المادية القاسية من عوزٍ وفاقةٍ وهو العالم والشاعر الكبير حتى ظُنَّ أنها كانت أحد أسباب هجرته، أو سوى ذلك من ظروف حفلتْ بها دراساتٌ كثيرة تَرجمتْ لشاعرنا اختصرتْها قصيدةٌ صَنَّفها الكثيرون على أنها من القصائد الهزلية، ولم يتوقف أحدٌ بالسؤالِ ما السبب في شهرةِ هذه القصيدة لهذا المستوى الكبير حتى أنها تعتبر من أشهر قصائده، بل أشهرها على الإطلاق، حتى أن سبب تلقيبه بأبي البحر كان نسبة لهذه القصيدة. فهل لقصيدةٍ هزلية وما أكثر هذا الصنف من القصائد أن تحجزَ مكانًا شاسعًا في باحة الخلود هي وصاحبها إن لم تكن تخبئ أكثر مما وقعنا عليه؟ اختصره عبر رسالته المشفرة في هذين البيتين أنا الرجل المشهور ما من محلَّةٍ من الأرض إلا قد تخلَّلها ذكري تولَّع بي صرفُ القضاء ولم يكنْ لتجري صروفُ الدهر إلا على الحُرِّ أما التجربة الثالثة فهي سمكةُ الكابري التي استفزَّت الجواهري بنظم قصيدته المشهورة (بائعة السمك) عندما كان منفيًّا في براغ عام 1965م، غير أن سمكة الجواهري هذه وظروفُها تختلف عن الأخيرتين من حيث دلالة المسمى والتعالق النفسي. فسمكة الكابري المعنية هي عينها سمكة الشبُّوطْ التي تعيش في أنهار العراق بكثرة، وطن الشاعر ومسقط رأسه، إلا أنه لا يوجد بحر هنا! سمكةٌ منفيةٌ عن البحر في قبضة ابنة الجيك أو (حلوة المجتلى) كما وصفها الشاعر في قصيدته، والتي ليست سوى براغ عينها منفى الجواهري وقتها، حيث ما فتئ يتغزل بها باعتبارها أجمل بلاد الدنيا في نظره. أما صفات سمكته المستنطقة شعرا والمشاكسة فهي كما جاءت في هذا البيت ( وثنَّتْ فشبَّت عروسُ البحار وقرَّتْ على الجانب الآخرِ ) أو المقتلعة من جذورها والتي تتطلع للعودة مرة أخرى لموطنها الأصلي ( أما ليَ من عوْدةٍ تُرتَجى لملْعبِ أتْرابيَ الزَاخرِ ) وكأن الجواهري بكل تلك الصفات يكتبُ سيرتَه من خلال هذه السمكة التي انتُزِعتْ من بيئتها لتعيشَ الغربةَ والنفي كما هو الجواهري في هذه اللحظة. فهل حقًا استطاعت هذه التجارب الثلاث التي شكَّلتْ كلَّ تجربةٍ برموزها الفصلَ المهمَّ لسيرةٍ أدبية يمكنُ للقارئ ان يرحلَ معها والقبض على باقي فصولِ السيرة باعتبارها حجر الزاويةِ من خلال عملِ كلِّ واحدٍ من مبدعيها على تكييفِ بؤرة عدسته والتقاطها بكثير من الاحترافية تاركًا للقارئ ملءَ باقي فراغِ المشهد الكلِّي أن تُشكِّل خرقًا أو استثناءً في العلاقة الملتبسة بين الكتابة الإبداعية وعلاقتها بالسيرة الأدبية؟ * شاعر وكاتب سعودي