حكايتي مع «اليمامة »..

من الباحة إلى باريس.

بسم الله أُبارك وأُهني، حيث مرت بنا هذا الشهر - ذي الحجة 1447هـ الموافق لشهر يونيو 2026م ذكرى مرور 75عاماً على إنشاء اليمامة في الرياض قلب بلادنا النابض. لقد كانت العاصمة بعد استعادتها على يد الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- في بدايات نهضتها ووضع اللبنات الرسمية والعلمية والفكرية بها. ورغم أنه كانت هناك حاجة لوسيلة صحفية تقود الحراك الفكري والثقافي فيها، إلا أن التركيز في المنطقة الوسطى كان يعطي الأولوية في البدايات لترتيب الوضع الاجتماعي والاقتصادي. في الحقيقة كان هناك منذ ذلك الوقت من طالب بإيجاد صحافة في المنطقة الوسطى وألا يتم الاكتفاء بجريدة أم القرى الرسمية، فأتت مبادرة الشيخ العلامة حمد الجاسر في انشاء جريدة اليمامة، بعد أن رأى خلال تواجده في مكة وجدة وجود بعض المجلات والجرائد الوافدة من الخارج التي كان يأتي بها الحجاج والمعتمرون العرب، فرأى بـ بصيرته الثاقبة أن يضع جهوده وقدراته لإيجاد صحافة في الرياض من خلال اصداره صحيفة اليمامة، فبدأت منذ ذلك الحين تتشكل الملامح الإعلامية والثقافية في العاصمة، وأخذ يتعزز الحراك الثقافي والإعلامي التنموي المتنوع الذي بدأت تعيشه منذ ذلك التاريخ الرياض والمملكة بصفة عامة وبخطى متسارعة. منذ صدور عددها الأول في شهر ذي الحجة عام 1372هـ الموافق لشهر أغسطس 1952م أصبحت اليمامة واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ الصحافة السعودية، وشاهدة على تحولات كبرى على مستوى الوطن، وغدت رافدا مهما بل وأساسياً من روافد الحركة الثقافية والإعلامية السعودية. ولابد هنا من التوضيح من إن صدور اليمامة في المنطقة الوسطى ليس بعيدا تاريخيا عما أنشئ في مكة وجدة من صحافة. لذا فبلادنا المملكة العربية السعودية لم تتأخر في إنشاء صحافة وطنية سعودية حيث بدأت منذ بديات عهد الملك المؤسس -طيب الله ثراه- الذي ما أن وصل مكة حتى بادر عام1343هجرية الموافق لعام 1924م بالتوجيه بإصدار جريدة أم القرى ايمانا منه بأهمية الصحافة لتكون بريده إلى الشعب السعودي لتنقل أخبار التنمية ولتربط بين أجزاء الوطن وتجسد وحدته. وام القرى لم تكن فقط منبر الدولة للتوجه للشعب بل أيضا كانت منبرا للحراك المتنوع للمجتمع فكانت نافذة للأدب والثقافة. لذلك إذا عرفنا أن الصحافة في مكة وجدة وحتى المدينة المنورة برزت في بداياتها على أيدي أجنبية ، فكانت هناك حاجة لإصدار جريدة سعودية عامة فبرز من أبناء المنطقة من يرغب في إصدارها وهو الاستاذ محمد سرور الصبان أحد وراد بدايات الحراك الثقافي في عهد الملك عبدالعزيز -يرحمه الله-، حيث أنه طرح فكرة تأسيس أول صحيفة على وزير المالية آنذاك عبدالله السليمان، فذهبوا سوياً وعرضوا الموضوع على الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، فوافق على إصدارها باسم (صوت الحجاز) في عام 1350هـ 1932م . وطبعا إذا عرفنا أن ظهور صحافة الافراد كانت متعثرة ولم تدم طويلا حيث برزت بعد ذلك صحافة المؤسسات، فإننا بذلك نلاحظ أن المنطقة الوسطى ـ منطقة الرياض لم تتأخر كثيراً فقط الفارق قد لا يتجاوز العشرية الواحدة، حيث سعى بعض الرواد من الأدباء والمثقفين في الرياض كما ذكرنا في اعلى الصفحة إلى إيجاد أرضية لصحافة تنطلق من عاصمة البلاد، بعد سنوات من التريث والاعتماد المؤقت على جريدة أم القرى وغيرها، حيث تكللت تلك الجهود في الرياض بنجاح اول محاولة وهي تمكن الشيخ حمد الجاسر عام 1372هـ 1952م من إنشاء صحيفة اليمامة،. حينها لم يكن العلامة الجاسر متزوداً آنذاك إلا بزاد القدرات الخاصة والإرادة، حيث أن تلك الإرادة كانت تستند إلى قناعة صلبة ووعي قوي متجذر في النفس يقوم على أساس أن الصحافة وسيلة مكملة لدور التعليم. إن ظهور اول وسيلة إعلامية في الرياض لبت رغبات أبناء المنطقة وشاركت في نقل أصواتهم ومطالبهم وأيضا سعت في ان تستوعب طموحاتهم. ولقد تحولت جريدة اليمامة مع الوقت الى مجلة ثقافية متنوعة لتكون مرآة تعكس الحراك الكبير في المملكة منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا. وإن الفضل بعد الله في بروز الصحافة في المنطقة الوسطى وتطورها ومن ثم على مستوى الوطن يعود بشكل كبير للدعم اللامحدود من أمير الرياض آنذاك ــ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله ويمتعه بالصحة والعافية- حيث منذ الوهلة الأولى لبدء مشروع مجلة اليمامة توطت علاقته بها وخاصة بصاحبها الشيخ حمد الجاسر. ومعروف عن الملك سلمان في الوسط الإعلامي السعودي منذ توليه أمارة منطقة الرياض بأنه الإعلامي الأول وصديق الصحفيين، لذا فبكل تأكيد أن اليمامة حظيت بمكانة خاصة عنده منذ أن وقع حينما كان أمير للرياض على اصدار “الرياض-اليمامة” بعد الأمر الملكي بإصدارها، ومنذ ذلك الوقت أصبحت اليمامة على علاقة مثمرة بالأمير-الملك، وهذا ما تؤكده الوثائق حول نشأة الصحافة في الرياض. في الختام فلقد أسهم صدور اليمامة في فتح الباب أمام نشوء صحف ومجلات أخرى في الرياض. وغدا لليمامة دور فكري إعلامي بوصفها منبراً ثقافيا جمع ويجمع نخبة من المثقفين والكتاب السعوديين مما جعلها تتميز وتقوم بتحقيق الرقي للصحافة الوطنية. وهنا أنا لا أخفي محبتي لمجلة اليمامة والتي لها مكانة خاصة في نفوسنا جميعاً، فبالنسبة لي توطدت علاقتي بها عندما كنت شابا في منطقة الباحة، فهي كانت من المجلات القلائل التي تصل الينا هناك عندما كنت في المرحلة المتوسطة، حيث كنت أحاول الحصول عليها من مكتبة صالح الرقيب بوسط مدينة الباحة أو من أبن العم المدرس الذي كان مواظبا على الحصول عليها. إن قراءتي لها آنذاك ساهم في تشكيل شغفي بالقراءة ومتابعة مختلف المواضيع وأيضا متابعة الشعر والأخبار. بل انها وبطريقة ما شجعتني على الاهتمام بدراستي وبالسعي الى النجاح لكي ألتحق بالجامعة فأصبح إعلامياً، وسبحان الله لقد تحقق لي ذلك من بوابة اللغة الفرنسية. بصراحة لقد غدت مجلة اليمامة من أهم روافد الحركة الثقافية في المملكة ونافذة القارئ السعودي للاطلاع على الثقافة العربية والعالمية، وقد تعدت حدود الوطن لتتواجد في كثير من البلدان العربية والأجنبية، فأنا عندما كنت طالب دراسات عليا في باريس نهايات التسعينيات الميلادية بدايات الألفية كنت أحصل عليها من الأستاذ أحمد أبو دهمان -يرحمه الله- أو من أحد أكشاك الصحف بشارع الشانزليزيه، وخاصة من كشك أمام مقهى الفوكيتز بباريسFouquet’s a Paris. * إعلامي – مترجم