لماذا عام وليس سنة ؟!
لماذا المشروع في ديننا الإسلامي أن نقول كل عام وأنت بخير ولا نقول كل سنة وأنت بخير الفرق الأشهر بين اللفظتين ورد في القرآن الكريم.. ففي سورة يوسف جاءت الآية الكريمة: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، حيث استخدم العام وصفاً للذي فيه الخير والغيث والنماء.. بينما تلك المجدبة أطلق عليها سنين ومفردها سنة.. وقد تُجمع السنة على سُنُون.. مثل: سنة أكلت اللحم»هي عبارة تُشير إلى فترة مجاعة وقحط شديدة مرّت بها العرب.. وتعود هذه القصة التاريخية الشهيرة إلى عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك.. واشتهر بها صبي شاعر هو: درواس بن حبيب عندما دخل على الخليفة في وفد من البادية، فأنشد الخليفة قائلاً: «إنَّه أصابتنا سُنون ثلاث: سنةٌ أذابت الشَّحمَ، وسنةٌ أكلت اللَّحمَ، وسنةٌ دقَّت العَظمَ».. وقد استخدم الصبي: أصابتنا سُنون ثلاث.. فقال: سنةٌ أذابت الشحم سنةٌ أكلت اللحم سنةٌ دقت العظم ولم يستخدم ( عام ) ولذلك نقول: كل عام وأنتم بخير، ولا نقول: كل سنة وأنتم بخير.. لأنَّ (السَّنَةَ: للجدب وانتفاء الخير).. وهذه دعوة نبوية شريفة (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، دعا بها النبي ﷺ على قبيلة مضر (قريش ومن حولهم) حين عاندوا الإسلام، والمقصود بها: سنوات شداد من القحط والمجاعة والغلاء، لتشبه السنوات السبع التي وقعت في عهد النبي يوسف عليه السلام.. ولم يقل: اللهم اجعلها عليهم أعواما…. فدلَّ ذلك كله على أن: العام للخير والنماء، والسَّنَة: للجدب والفقر والفاقة وقلة ذات اليد.. أعاذنـا الله وإياكم من الجدب والفقر والفاقة.. في الأدب واللغة؛ يُستعمل لفظا «العام» و»السنة» للدلالة على فترة زمنية من إثني عشر شهراً، غير أن الأدباء واللغويين فرّقوا بينهما في الدلالة والإيحاء بناءً على السياق؛ فالعام يُطلق غالباً في مواضع الرخاء والخير والسرور، بينما تُطلق السنة في مواضع الشدة والابتلاء والمشقة.. ومن أبرز ما قيل في الفرق بينهما في التراث الأدبي واللغوي: دلالة السعة والضيق «العام»: يرتبط بالدَّعة والرخاء والامتداد، ومنه قولهم: «عام خير».. السنة: ترتبط بالجدب والقحط والشدة، ومنه تسمية سنوات القحط بـ «السِّنِين»، ولذلك قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾؛ حيث استُخدمت «سنة» للدلالة على سنوات الدعوة والجهد والشقاء، و»عام» للخمسين التي فيها راحة ونجاة.. التقسيم الفصلي للزمن عند علماء الأدب واللغة - مثل اللغوي «ثعلب» وابن دريد في كتاب «درة الغواص»- أن السنة تُحسب من أي يوم عددتها إلى مثله في العام القابل، بغض النظر عن الفصول، أما العام فلا يُطلق إلا إذا تضمن فصلي الشتاء والصيف معاً (أي دورة مناخية كاملة تتوزع فيها الفصول)، ولهذا يقال: «عام الفيل» ولا يقال «سنة الفيل»، لأنه حدث ارتبط بظرف زمني ومناخي محدد.. - الإطلاق والتخصيص ذهب بعض أهل العلم إلى أن السنة قد تأتي للإشارة إلى حساب الأيام وتُستخدم غالباً للأعداد المحددة أو الفترات التي يحضر فيها الفاعل.. - العام أعم وأشمل، ويُستخدم للدلالة على الإطلاق دون تقييد باليوم والشهر.. - خلاصة القول الأدبي: كل عام سنة، وليس كل سنة عاماً؛ فالعام يدل على الوحدة الزمنية المليئة بالخير والرخاء، في حين تُعبر السنة عن الوحدة الزمنية التي تتخللها المعاناة أو المشقة.. ومن الشعر قول الشاعر: دَعَوْنا الغَيْثَ حتّى جادَ وَبْلُهُ.. فصارَ العامُ مُخْضَرَّ الجَنابِ فجعل العام زمن الخصب.. وقال آخر في الجدب: أَلَمَّتْ بِنا سَنَةٌ مَحْلٌ مُجَدِّبَةٌ.. حتّى شَكَونا إلى الرَّحمنِ ما نَجِدُ فاستعمل السنة للشدة والقحط.. وذكر أهل اللغة، ومنهم أبو هلال العسكري والراغب الأصفهاني، أن العرب قد تفرق أحياناً بينهما، فتجعل: * السنة: للحول الذي فيه شدة أو قحط.. * العام: للحول الذي فيه رخاء وخير.. لكن هذه ليست قاعدة مطردة دائماً؛ فكثيرًا ما يستعمل اللفظان بمعنى واحد، وإنما هي ملاحظة بلاغية وأغلبية في الاستعمال العربي والقرآني.. ومن الشواهد المشهورة قولهم: أصابتهم سنةٌ: أي مجاعة وجدب.. ولا يقال غالباً: “أصابهم عام” بهذا المعنى.. ومن الشواهد التي ورد فيها استعمال السنة بمعنى القحط والجدب قول الشاعر: ورُبَّ سَنَةٍ قد كُنتُ أَرْجو خُصوبَها.. فَأَصْبَحَ منها الجَدْبُ وهو نَصيبُها وقول آخر: إذا ما أتتنا سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ.. تَذَكَّرْنا بِها أيّامَ خِصْبِ وفي كلام العرب كثيراً: سنةٌ شهباء: أي سنة قحط وجدب، حتى صار هذا الوصف من أشهر أوصاف السنين العجاف.. وقال لبيد بن ربيعة يصف أثر الجدب: فَباتَتْ تُعاني الجَدْبَ في سَنواتِها فاستعمل “السنوات” في سياق الشدة.. أما في الرخاء والخصب فكثيراً ما يرد لفظ العام، ومن ذلك ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾، حيث استشهد اللغويون بكلام العرب أن العام يُذكر عند الغيث والخصب.. ومن جميل ما قاله أهل اللغة في هذا الفرق: السَّنَةُ من السنين إذا كانت فيها شدة، والعام إذا كان فيه رخاء ونعمة. وقد نظم بعض المتأخرين هذا المعنى فقال: والعامُ يُذكرُ للرخاءِ وإنَّما تُدعى الشدائدُ بالسِّنينِ الشُّهَّبِ..