ساعة أبي

الوقت والزمن أيهما أولا ؟!، وأيهما الأعم و الأشمل ؟!، ربما الزمن يشمل الوقت كون الأخير جزء منه ، ليكون الوقت مرحلة قصيرة نسبيا نعيشها ثم تذهب ويبقى شيء من لوازم ذكرها وذكرياتها ! . الغريب أننا عندما نتذكر ذاك الوقت نقول عنه ؛ الزمن الجميل في مخالفة ومخاتلة على ما يبدو للفيزياء وقوانينها الصارمة . دع عنك الفيزياء وقوانينها الصارمة ومفاهيمها الجافة ، وعد إلى شعورك الجميل عندما تستذكر شيئا من ذكريات وقتك ،عفوا( زمنك الجميل) الذي أرشفته الذاكره فظلت مشاهده عالقة فيها، يستدعيه بوحك الصادق ؛عندما تلوح تلك الذكريات في خيالك الواسع و الجميل !. قبل وفاة أمي أهدتني ساعة والدي- رحمهما الله- ، كانت ساعة من النوع الصليب ، ماركة ساعات يعرفها الراسخون في وقت تلك الحقبة الجميلة ، كانت ساعة فارهة بمقاييس ذلك الوقت ، علاوة على أنها كانت من الجيل التقني الذي يتمتع بخاصية فريدة ، فهي لا تحتاج إلى شحن بعد كل صلاة مغرب كما كان يفعل ذلك الجيل الطيب في ذلك العهد ؛ كونها من النوع الذي يعمل من خلال بطارية تضمن سيرورة حركتها بانتظام لتشعر صاحبها بالوقت وبدقة متناهية . احتفظت بالساعة وكنت دائما ما أشارك بناتي قصة هذه الساعة، وكم كان جدهم أنيقا وهو يقتني ذلك النوع المهيب من الساعات ، كانوا يتعجبون من شكلها وبساطتها قياسا بما يعرفونه من موديلات الساعات الحديثة ،وكانوا يرون فيها قطعة أثيرة عندي ويجب أن تبقى لديهم أثيرة ايضا . قررت إصلاح هذه الساعة ، فذهبت بها إلى أحد المهندسين ، انبهر بأصالتها وقدم موديلها ، وغبطني على امتلاك مثل النوع الأصيل من الساعات ، وتعهد بإصلاحها ، أياماً معدودة والساعة تعمل ثانية، وتعود عقاربها للدوران من جديد، ولكن هذه المرة في عصرالألفية الثالثة الذي تغير فيه مفهوم الوقت القديم، ليصبح في لغتنا الدارجة هو( الزمن الجميل)!. ساعة والدي ستظل امتدادًا لذكريات عشناها في ذلك المنزل الصغير ، في قريتنا الوارفة الظلال ، التي عاشت ومازالت تعيش في كنف ذلك الجبل الأشم العظيم ؛ جبل رثباء، كفتاة صغيرة تضع رأسها في غنج على صدر والدها الحنون ، كانت ساعة والدي ميقات ينظم وقتنا ومناشطنا ، وكانت في معصمه تعني أنه سيد تلك المرحلة و أنه أستاذها ،الذي علمنا الحياة ،فعلمنا أنها أوقات تتغير بتغير الظروف والصروف، وأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، وأن ساعة والدي ما هي إلا شاهد على ذاك الوقت وضابطة له ، توثقه لنبني عليه كل مناشط حياتنا اليومية في قريتنا الصغيرة تلك . ترى كيف كان أجدادنا يعيشون بدون تلك الساعات؟ ، كيف كان مفهوم الوقت لديهم ناهيك عن الزمن ولوازمه ومتلازماته ، فالوقت كان يرتبط عندهم بالشمس ، فالشروق توقيت ، والزوال توقيت والغروب توقيت آخر ، وبين كل توقيت وتوقيت تضبط ساعاتهم البيولوجية نشاطها حسب مقتضيات الحياة وما تتطلبه من عمل أو استرخاء، ليظل الإنسان بالساعة وبدونها أسيرا للوقت يضبطه وفق ما تيسر له من أدوات طبيعية أو ما استحدث لاحقا من اختراعات كساعة أبي الأثيرة . ساعة أبي أيها السادة ليست مجرد ساعة عادية نعرف من خلالها الوقت ، بل هي سفر من الذكريات الغارقة في الحنين ، مرت ولكنها مازالت راسخة في ملفات الذاكرة تستدعيها المناسبات وتسترعي اللحظات الفارقة في حياتنا لتعيدنا إلى ذلك السفر الجميل من تلك الحياة ، زمن البساطة واليوم المديد الذي ننتظر أن يرحل سريعا، لنلاقي يوما جديدا بذات التفاصيل ، لكنها تفاصيل بسيطة لا ترهقنا ولا ترهق ساعة أبي التي كانت تسير وفق نظام قريتنا الصغيرة الغارقة في تفاصيل حياة بسيطة مضبوطة على وقع روتين يومي تضبطه ساعة أبي لتذكّرنا أنه قد حان موعده حسب توقيت قريتنا الغارقة في تلك التفاصيل !. ويبقى السؤال وحسب قواعد الفيزياء الضابطة و المنضبطة ؛ ساعة أبي بمرحلتيها السابقة عندما كانت في معصمه ثم انتقلت إلي ، هل هي في حركتها المستمرة توثق وقتا مازال حاضرًا بذكره و ذكرياته أم زمنا يتجاوزنا إلى المابعد لا يشبهنا و لا يعيد نفسه ؟!.