د.علويّ الهاشميّ .. ما قالَهُ للنّخلةِ والبحرِ.
أجيئُكِ متّشحًا بالينابيعِ والغيمِ مُغْرَوْرِقًا بمياهِ الخليجِ المحاصرِ في القلبِ عاصمَتِي النّخلُ جيشِي القصائِدُ راياتيَ الكلماتْ. فِي عامِ ثمانيةٍ وأربعينَ وتسعمائةٍ وألفٍ، بينَ نخلِ المنامةِ وشطآنِ بحرِهَا الوادعِ، وُلدَ الأستاذُ الدّكتورُ علويّْ هاشمْ حسينْ الهاشميّْ، لمْ تكنْ تعلمُ البحرينُ حينَهَا أنَّ ثمَّةَ عاشقًا آخرَ مميّزًا بدأَ يضعُ خطواتِهِ علَى جُنُباتِهَا، ولمْ يكنِ الشّعرُ والنّقدُ يدركانِ بعدُ أنَّ هناكَ فارسًا سيُمسِكُ بزِمامِ الفكرِ والأدبِ ليصولَ في أرجائِهِمَا. بدأَ – أكاديميًّا - بعقلٍ تجاريٍّ ثاقبٍ، وبِهِ حازَ شهادتَهُ العاليَةَ الأولى (الدبلومْ في التجارةِ) فِي المملكةِ المتّحدةِ، لكنّ شغفَهَ وحبَّهَ القديمينِ للّغةِ العربيّةِ بشكلٍ عامٍّ، وللأدبِ والشّعرِ بشكلٍ خاصٍّ غيّرَ مِنْ وجهتِهِ العلميَّةِ، فبدأَ يشُقُّ طريقَهُ إلَى عالَمِ الجَمالِ والحياةِ، فأنهَى دراساتِهِ كلَّهَا بعدِ ذلِكَ مُتخصّصًا فِي النّقدِ الأدبيِّ، مِن لبنانَ فالقاهِرَةَ فتونسَ الخضراءِ، ليعودَ إلَى البحرينِ عامَ ستّةٍ وثمانينَ وتسعمائةٍ وألفٍ محمّلًا بحشدٍ منَ الأفكارِ والآمالِ والتّطلعاتِ الّتَي لَمَّا تهدأْ أبدًا. الشّعرُ لدَى علويّْ الهاشميّْ هوَ المبتدأُ والمنتَهَى، هوَ المنطلقُ الّذِي استشرفَ بِهِ الدّنيَا، هوَ العينُ الّتي رآنَا بهَا ورأينَاهُ بهَا، حتَّى مِن قبْلِ أن يجيءَ الحزنُ إليهِ: مِنْ أينَ يَجِيءُ الحزنُ إليَّ وأنتِ معِي؟ يَا طيرًا يخفِقُ فِي قلبِي وَيَرِّفُ علَى هُدُبِي يَا ساهِرةً كالشَّمسِ علَى شُبّاكِ غَدِي يَا طالعةً كالحُلْمِ علَى جَفْنَي وَيَدِي يَا سُكْرِي .. يَا وَلَعِي مِنْ أينَ يَجِيءُ الحزنُ إليَّ وأنتِ معِي؟ أمسَكَ علويّْ الهاشميَّ بمزمَارِ الشّعرِ ليضبِطَ أوزانَ الحياةِ مِنْ حولِهِ، قَطَعَ رتَابَةَ الحُبِّ فَبَعَثَ في العُشّاقَ فكرَتَهُ، أَثْخَنَ الْحَنِينَ بِلُغَتِهِ الشّاعريّةِ فجمَّعَ فيهِ نخلَ البحرينِ وبحرَها وسماءَها، فكانَ الشّاعرَ الّذِي نَقَشَ بصمَتَهُ ضِمنَ شعراءِ الحداثةَ الرّصينةِ منذُ ستّينيّاتِ القرنِ الماضِي. أودعَ الهاشميُّ رؤاهُ النّقديّةَ فِي العديدِ مِن المؤلّفاتِ الّتِي تُعَدُّ مِنْ أهمِّ الإسهاماتِ النّقديّةِ فِي العصرِ الحديثِ، والّتِي لَا يمكنُ لِمُشتَغِلٍ في الشّعرِ البحرينيِّ والخليجيِّ بشكلٍ خاصٍّ، والعربيِّ بشكلٍ عامٍّ أنْ يتجاوَزَهَا، فقدْ وثَّقَ - تاريخيًّا ونقديًّا - الحركةَ الشّعريّةَ البحرينيّةَ الحديثةَ، وتابعَ أشكال تطوّرِها، وأسَّس لاتّجاهاتِهَا وملامِحِهَا في كتبه: شعراءُ البحرينِ المعاصرونَ، كشّافٌ تحليليٌّ مصوّرٌ (عامَ ثمانيةٍ وثمانينَ وتسعِمائةٍ وألفٍ للميلادِ)، والسّكونُ المتحرّكُ فِي أجزائِهِ الثّلاثةِ (عامَ واحدٍ وتسعينَ وتسعِمائةٍ وألفٍ للميلادِ)، ومَا قالتْهُ النّخلةُ للبحرِ (عامَ خمسةٍ وتسعينَ وتسعِمائةٍ وألفٍ للميلادِ). وضفّتانِ لنهرٍ واحدٍ، دراساتٌ نظريَّةٌ وتطبيقيَّةٌ في شعرِ البحرينِ المعاصر (عامَ ألفينِ وستّةٍ للميلادِ). كمَا لاحَقَ التّجاربَ السّعوديّةَ الرّائدةَ في كتابِ: ظاهرةُ التّعالقِ النّصيِّ في الشّعرِ السّعوديِّ الحديثِ (عامَ ثمانيةٍ وتسعينَ وتسعِمائةٍ وألفٍ للميلادِ)، وحبَّرَ نظريّاتِهِ النّقديّةَ والفكريّةَ فِي كتابَيْ: فلسفةُ الإيقاعِ فِي الشّعرِ العربيِّ (عامَ ألفينِ وستّةٍ للميلادِ)، والتّفكيرُ الحضاريُّ فِي البحرينِ فِي ضوءِ إشكاليّةِ العلاقةِ بينِ الواقعِ والِمثالِ (عامَ ألفينِ وستّةٍ للميلادِ). بالإضافةِ إلَى العشراتِ منَ البحوثِ العلميّةِ الرّصينةِ الّتي نشرَهَا في المجلّاتِ العلميّةِ الكبرَى. ناهيكُمْ عنْ مُشاركاتِهِ الكثيرةِ فِي المناسباتِ العلميّةِ والأدبيّةِ، وعضويّتِهِ في العديدِ منْ لِجانِ التّحكيمِ لجوائزَ كُبرَى علَى مستوى البحرينِ والوطنِ العربيِّ. أمَّا جامعةُ البحرين ِفقدْ كان َالهاشميُّ أحدَ أركانِهَا الّذينَ أسهمُوا بجِدٍّ فِي إرساءِ دعائمِهَا، وتأسيسِ كليّةِ الآدابِ فيهَا، فبالإضافةِ إلى كونِهِ أستاذًا لهُ طرائقُ متميّزةٌ ومبتكرةٌ في التّدريسِ، شَغَلَ في الجامعةِ منصبَ عميدِ كليّةِ الآدابِ لفترتين، ثمَّ نائبِ الرئيسِ للتّخطيطِ وخدمةِ المجتمعِ، ثمّ انتُدبَ مِنْ الجامعةِ أمينًا عامًّا لمجلسِ التّعليمِ العالي بوزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ، كمَا تقلّدَ كذلكَ منصبَ رئيسِ تحريرِ مجلةِ ثقافاتِ الّتي كانتْ تصدرُ عنْ كليةِ الآدابِ، ثمّ رئيسِ مركزِ النّشرِ العلميِّ بالجامعةِ، فِي عطاءٍ علميٍّ وتعليميٍّ وإداريٍّ لا ينضُبُ، وتخرّجَتْ منْ بينِ يديْهِ أجيالٌ أصبحَتْ أسماءُ كثيرٍ من أبنائِهَا بارزةً فِي عالَمِ الفكرِ والنّقدِ والأدبِ. إنَّ العلاقاتِ الوطيدةَ الّتِي كوّنَهَا الهاشميُّ لشخصِهِ امتدّتْ لتَشمَلَ مختلِفَ الأجيالِ، مِنْ جيلِ الروّادِ الكبارِ كنزارْ قبانيّْ والجواهريّْ وإبراهيمْ العريّضْ ونازكِ الملائكةْ والبيّاتيّْ والسّيّابْ والأَبْنُودِيّْ وغيرِهِمْ مِنْ أعلامِ الأدبِ والفكرِ فِي عالمِنَا العربيِّ، إلَى أبناءِ جيلِهِ الّذينَ لكلِّ واحدٍ منهُمْ حكايةٌ معَهُ، إلَى علاقاتِهِ المتّصلةِ بتلاميذِهِ والأجيالِ اللّاحقةِ، مِمَّا ينُمُّ عنْ روحِهِ المنفتحَةِ، وأُفُقِهِ المتّسِعِ وحرصِهِ القويِّ علَى تلاقُح ِالأجيالِ وتقاطُعِ ثقافاتِهَا. وَقَدْ حازَ الأستاذُ الدّكتورُ علويّْ الهاشميّْ علَى العديدِ مِنَ الأوسمَةِ والتّكريماتِ، علَى رأسِهَا وسامُ الكفاءَةِ مِنْ حضرَةِ صاحبِ الجلالةِ الملكِ حمدْ بنْ عيسَى آل خليفةْ، ملكِ البلادِ المعظّمِ حفظَهُ اللهُ ورعاهُ (عامَ اثنَيْ عشرَ وألفينِ للميلادِ)، والمرتبةُ الأولَى والثّانيةُ لجائزةِ التّميُّزِ للكتابِ عَنْ كتابَيْهِ: التّفكيرُ الحضاريُّ فِي البحرينِ، وضفَّتانِ لنهرٍ واحدٍ، والكثيرُ الكثيرُ مِنَ جوائِزِ التّقديرِ وأوسمةِ التّكريمِ. وفِي لفتَةٍ بديعَةٍ كرّمتْهُ مؤخّرًا جامعَةُ تونسَ بوصفِهِ أوّلَ خرِّيجٍ لهَا منذُ أربعةٍ وأربعينَ عامًا، وأصدرَتْ كتيّبًا خاصًّا بهذِهِ المناسبةِ عنوانُهُ: “مِنَ المنامةِ إلَى الرُّقَادَةِ” والرّقادةُ هوَ الاسمُ القديمُ للقيروانِ. إنَّ علويّْ الهاشميّْ بحقٍّ شخصيّةً استثنائيّةً، في حياتِهِ، وفي علمِهِ، وفي شعرِهِ، وفي عطائِهِ، وفي حبِّهِ للبحرينِ، كانَ يهمسُ للنّخيلِ كَيْ تُحِيلَهُ إلَى صفاءِ البحرِ، يتعَبُ ويجهَدُ وهوَ يلهَثُ وراءَ الكلمةِ النّقيّةِ، والفكرةِ الخلّابةِ، والرّؤيةِ الجماليّةِ، ينظُرُ إلَى الأجيالِ مِنْ بعدِهِ متأمِّلًا أنْ يلمَحَ فيهَا استشرافًا لمستقبلٍ واعدٍ، إنّه – كمَا عبّرَ عنْهُ أحدُهُمْ - ذاكرةٌ مُتَشَظِّيَةٌ علَى خارِطَةِ الحُبِّ والأدبِ والثّقافةِ، إنّهُ الأستاذُ الدّكتورُ علويّْ الهاشميّْ .. وَحَسْبُ.