ابتسام لطفي ..

سيدة المواويل.

تتصل وتتواصل، وتُورث وتُهدى، جينات الروح والصوت بين بنات هذه الأمة، بطريقة لا تفسير لها إلا الإعجاز. ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي روحٌ تسكن الأجساد، ونبضٌ يعيد تشكيل الزمن. وإلا كيف لفتاةٍ كفيفةٍ من الطائف أن تحمل في حنجرتها شجون أم كلثوم، وقسوة أسمهان، وعذوبة سعاد محمد؟ كيف لـ”خيرية” أن تصبح “ابتسام”، وأن تفتح بصوتها أبواب الإذاعة السعودية، وتجعل الملك فيصل يصدق حلمها قبل أن يصدقه أحد؟ وكيف للشاعر أحمد رامي، الذي صاغ وجدان أجيال كاملة، أن ينحاز إلى صوتها، ويقول عنها: “كوكب الجزيرة.. وشادية العرب”؟ ، بينما يختصر الأديب طاهر الزمخشري سيرتها كلها في كلمتين بليغتين: «عاشقة الأدب»؟ . منذ أيام، وأنا أعيد الاستماع إلى “وداع” و”فات الأوان”، وأتذكر أن الجينات الحضارية لا تنتقل بالبصر، بل بالبصيرة. ولدت ابتسام لطفي في مدينة الطائف في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1951، ونشأت في بيئة محافظة حملت قيم المجتمع السعودي وتقاليده. في تلك البيئة بدأت ملامح موهبتها تظهر مبكراً، فكانت تغني في المناسبات العائلية والأفراح الشعبية في مدينة جدة وهي لا تزال طفلة صغيرة في الخامسة أو السابعة من عمرها. كان المحيطون بها يلاحظون أن هذا الصوت يختلف عن الأصوات المعتادة، وأن فيه شيئاً من الشجن والقوة والعذوبة في آن واحد. وكانت والدتها أول من آمن بهذه الموهبة، فرافقتها في خطواتها الأولى، ومنحتها الثقة التي احتاجتها لمواجهة مجتمع لم يكن ينظر إلى الغناء النسائي باعتباره مساراً مألوفاً. كان لوالدتها دور محوري وأساسي، حيث كانت السند والعون، ورفيقة درب ومعلمة وملهمة، آمنت بموهبتها إيماناً مطلقاً. في معهد النور للمكفوفين تلقت تعليمها، وهناك ارتبطت بالقرآن الكريم حفظاً وتجويداً وتلاوة وتعمقت في دراسته. ومن هذه التجربة اكتسبت وضوح النطق وسلامة مخارج الحروف والقدرة على التحكم في النفس والإيقاع، مما منحها تميزاً فريداً في الغناء، فلم يكن مستغرباً أن يتميز أداؤها لاحقاً بصفاء اللفظ وقوة التعبير، وأن تبدو القصائد التي تغنيها أقرب إلى حالة من الإلقاء الموسيقي الممتزج بالطرب العربي الأصيل. عام 1968 انطلقت مسيرتها الإذاعية بأغنية “عبير”، ثم تبعتها في 1969 أغنية “فات الأوان”. كانت الأغنية الأخيرة من كلمات الشاعر الراحل لطفي زيني وألحان طلال مداح، الذي آمن بموهبتها منذ البداية ورأى فيها مشروعاً فنياً استثنائياً. وهو من منحها اسمها الفني “ابتسام لطفي” تفاؤلاً بأن يبتسم لها الزمان، ليصبح هذا الاسم لاحقاً واحداً من أشهر الأسماء النسائية في تاريخ الفن الخليجي. في تلك السنوات كانت الأغنية السعودية تعيش مرحلة التأسيس الحقيقي. أسماء مثل طلال مداح الذي كان له دور الأستاذ والملهم، وفوزي محسون وسراج عمر وعمر كدرس وجميل محمود ومطلق الذيابي وطارق عبد الحكيم كانت تصنع ملامح مدرسة موسيقية جديدة تجمع بين التراث والانفتاح على التجارب العربية الحديثة. وسط هذه البيئة وجدت ابتسام لطفي مكانها الطبيعي، وسرعان ما أصبحت ركناً أساسياً في المشهد الفني الناشئ وكانت جزءاً أساسياً من الحلقة الغنائية الحجازية. تميزت تجربتها بأنها لم تكتفِ باللون الغنائي السائد، بل خاضت مغامرات فنية متعددة. غنت اللون الحجازي بكل ما يحمله من تنوع وإيقاعات، وقدمت المجس والمجرور والدانة والخبيتي، كما اقتربت من الغناء النجدي والسامري، ونجحت في تقديم التراث السعودي بصيغة تجمع الأصالة والحداثة. لذلك لم ينظر إليها الجمهور بوصفها مطربة فحسب، وإنما باعتبارها حافظة لذاكرة موسيقية كاملة وجسراً يربط الماضي بالحاضر. ومن بين جميع مجالات الغناء التي خاضتها، بقيت القصيدة الفصحى الميدان الذي أظهرت فيه فرادتها الأكبر. فقد امتلكت قدرة نادرة على التعامل مع النص الشعري، وكانت تؤدي القصائد بإحساس يجعل الكلمات تنبض بالحياة. كانت تختار القصائد بعناية فائقة، وتتعمق في فهم معانيها، ولم تكن تغني الحروف بقدر ما كانت تعيش المعاني، ولهذا ارتبط اسمها بالأعمال الطويلة والقصائد ذات البناء الكلاسيكي الراسخ مثل “وداع” و”عبير” و”النجوى الهامسة” – من كلمات طاهر الزمخشري و التي قامت يتلحينها تحت اسم مستعار أبو عماد -- و”لوعة” و”ساعة لقاء” و”يا غائبين” و”أهواك” و”أتحبني؟” و”نداء” و”على ضفاف الهوى”. ومن أشهر محطات مسيرتها تعاونها مع الموسيقار المصري رياض السنباطي، أحد أعمدة الموسيقى العربية في القرن العشرين. وتروي الروايات أن السنباطي لم يكن يتوقع أن يجد في السعودية صوتاً نسائياً بهذه القوة والتمكن. ففي البداية أبدى استغرابه وطلب مبلغاً كبيراً مقابل التلحين، معتقداً أنه لن يجد الموهبة التي تستحق جهده. غير أن استماعه إلى صوت ابتسام لطفي غيّر انطباعه تماماً فاعتذر لها عن موقفه السابق. وبعد أن تعرف إلى إمكاناتها الفنية لحن لها قصيدة “وداع” للشاعر الكبير أحمد رامي مجاناً، في واحدة من أهم المحطات في تاريخها الفني، واصفاً إياها بأنها “كوكب الجزيرة وشادية العرب”. ولم يكن السنباطي وحده من انبهر بصوتها. فقد تعاونت كذلك مع الملحن المصري محمد الموجي الذي قدم لها موشح “بعد الحبيب”، إلى جانب عدد من كبار الملحنين العرب مثل أحمد صدقي وعبد العظيم محمد من مصر، وعبد الحميد إبراهيم من المغرب، الأمر الذي منحها حضوراً عربياً واسعاً، وأخرج الأغنية السعودية من إطارها المحلي إلى فضاء أرحب وأكسبها قاعدة جماهيرية في مختلف أنحاء الوطن العربي. وخلال سنوات التألق قدمت عشرات الأعمال التي ما زالت حاضرة في ذاكرة المستمعين. من بينها “سافروا ما ودعوني” التي أبدعت في غنائها بعد المطرب عبد العزيز شحاتة، و “لا لا يا الخيزرانة” و”فارج الهم” و”قال المولع” و”يا سارية خبريني” و”يا طير ماذا الصياح” و”يا هلي” و “البارحة ساهر” و”ليالي نجد” و”نام القمر بدري” و”صمت الدروب” و”من بعد مزح ولعب” التي جددتها للفنان فوزي محسون. كما قدمت أعمالاً دينية ووطنية شكلت جانباً مهماً من تجربتها الفنية مثل أنشودة “إلى بيت الله العتيق” و”مكة”، وأغاني “اليوم الوطني” و”فرحة العيد”. ولعل السر الأكبر في نجاحها كان يكمن في طبيعة صوتها نفسه. فقد امتلكت مساحة صوتية واسعة، وقدرة عالية على الانتقال بين الطبقات والمقامات ببراعة لا مثيل لها، وتحكماً استثنائياً في النفس. وكان أداؤها للمواويل يثير إعجاب الموسيقيين والنقاد على السواء، حتى ارتبط اسمها بلقب “سيدة المواويل” بلا منازع. كانت تستطيع أن تطيل الجملة الغنائية من دون أن تفقد جمال النبرة أو قوة التعبير، وأن تنتقل بين المقامات الموسيقية بمرونة جعلت أداءها يبدو تلقائياً رغم ما يتطلبه من مهارة تقنية عالية. كانت تستثمر اللهجة الصوتية في أداء التعابير الشعرية، مما جعلها تقترب بشكل عفوي من النمط الشعبي. وكان النقاد يرون في صوتها امتداداً لمدرسة الطرب العربي الكلاسيكي التي مثلتها أسماء كبيرة مثل أسمهان وسعاد محمد. فمثل تلك الأصوات، امتلكت ابتسام لطفي قدرة على الجمع بين القوة والرقة، وبين العمق العاطفي والانضباط الموسيقي لتصنع لنفسها مكانة فريدة وتترك بصمة لا تُمحى. ومع اتساع شهرتها أصبحت واحدة من أبرز الوجوه الفنية في الخليج العربي. كانت حفلاتها تستقطب جمهوراً واسعاً، وكانت أعمالها تحظى بانتشار متزايد عبر الإذاعات العربية. وفي الوقت نفسه ظلت محافظة على صورتها الفنية الخاصة، فلم تنجرف وراء الموجات السريعة أو الأغاني العابرة، وإنما بقيت وفية للأغنية الطربية ذات القيمة الفنية العالية. ولم تغفل الجانب الديني والوطني، فكانت فنانة شاملة بكل ما تحمله الكلمة. غير أن الحياة التي منحتها النجاح والشهرة حملت لها أيضاً لحظات قاسية. فقد شكلت وفاة والدتها صدمة عميقة تركت أثراً بالغاً في نفسها. كانت الأم السند الأول والداعم الأكبر، وحين رحلت شعرت ابتسام لطفي أن جزءاً أساسياً من عالمها قد غاب. ومع التحولات الاجتماعية والثقافية والصراع الثقافي التي شهدتها المنطقة خلال الثمانينيات، وعدم ملاءمة الظروف للفن الهادف، وتزايد الضغوط الاجتماعية، بدأت تبتعد تدريجياً عن الساحة الفنية حتى اتخذت قرار الاعتزال عام 1988. جاء اعتزالها في وقت كانت لا تزال فيه قادرة على العطاء، لذلك استقبل جمهورها القرار بحزن كبير. فقد غاب صوت ارتبط بمرحلة كاملة من تاريخ الأغنية السعودية، واختفت فنانة نجحت في أن تكون رمزاً لجيل من المستمعين. ومع ذلك بقيت أعمالها حاضرة في الإذاعات والبرامج الفنية، وظلت الأجيال الجديدة تكتشفها وتتعرف إلى قيمتها الفنية. ومع مرور السنوات عاد اسمها إلى الواجهة من خلال عدد من المبادرات التكريمية التي أعادت التذكير بدورها الريادي. ففي عام 2014، كرمتها جمعية المحافظة على التراث في الرياض برعاية الأميرة عادلة بنت عبد الله، وأدرك الوسط الثقافي والفني أن الحديث عن تاريخ الأغنية السعودية لا يكتمل من دون التوقف عند تجربة ابتسام لطفي، وأن كثيراً من الأصوات النسائية التي جاءت بعدها سارت في الطريق الذي مهدته هي بشجاعتها وموهبتها. بعد عودتها سجلت أغنية واحدة، مما أثار حنين الجمهور إلى صوتها. وتتجاوز أهمية ابتسام لطفي حدود الفن نفسه. فهي تمثل نموذجاً إنسانياً ملهماً لشخصية استطاعت أن تحول التحديات إلى مصدر قوة. فقد واجهت فقدان البصر، وتجاوزت القيود الاجتماعية، وفرضت حضورها في ساحة لم تكن مفتوحة أمام النساء بسهولة، ثم نجحت في بناء مكانة فنية جعلتها تحظى باحترام الجمهور والنقاد وكبار الموسيقيين في العالم العربي. لقد حظيت بتقدير ملوك وأمراء المملكة، ومنهم الأمير فيصل بن فهد الذي قدم لها منزلاً وتأثيثه كاملاً على نفقته الخاصة. لقد كانت ابتسام لطفي ولا تزال رمزاً للإرادة والإبداع، وصوتاً سيبقى خالداً في وجدان الأجيال، يذكرنا بأن الفن الحقيقي هو الذي ينبع من الروح ويصل إلى القلوب، متجاوزاً كل الحدود والعقبات.