انتظار المجهول!
حين تجلس مكتوف اليدين، تنظر في الفراغ...تنتظر شهقة الحياة أو الموت! كلاهما سيان في رحلة الانتظار، عالقًا ما بين الصعود والنزول، متأرجحًا ما بين النور والظلام، تعاني وحدك وقد كُمّمت أنفاسك منتظرًا بصيص أمل بين تكدسات الحياة التي تراكمت على كتفك، تُعاني صراع البقاء للأحسن في محيط مليء بالقروش والحيتان، وأنت وحدك تحدّق في انسياب حبيبات الرمل داخل ساعة رملية تسقط رويدًا رويدًا في غياهب المحيط، تُراقب سقوطها إلى أن تتلاشى الساعة ويتلاشى شعورك النابض معها، تُدرك حجم الاستنزاف الذي تبدد مع الوقت وتسارع الأيام ، تنظر في مرآة الزمن القاهرة، لتشاهد نفسك المتهالكة وقد تحوّلت إلى رُكام وحطام وبقايا إنسان كان يحلم ويسعى، وكانت له روح أبية وعزم قوي وذاكرة شجاعة عصية على النسيان، متمسك بما كان في يوم ما، لعل وعسى أن تصل في رحلة الانتظار هذه إلى ما تمنيته، فهل ستنتصر لذاتك التي أبحرت في زمن الحيتان المنقرضة والقروش الهالكة؟! أثناء رحلة الانتظار، تجد نفسك غارقًا في إرضاء من لا يرضون، محاولًا بشتى الطرق أن ينتبهوا لك، تلوّح وتبتسم ويبادلونك التجاهل، تُعطي أكثر فيجحدونك أكثر، يصعدون على كتفك، ثم ينثرون فوقك التراب ليدفنوك، ثم تجد نفسك قد اختفيت تمامًا من كل مكان وكأنك لم تكن يومًا الرفيق الأقرب والصديق الصدوق والملاك الحارس، بل تتحوّل إلى لا شيء لينتزعوا منك ما تبقى من روح وحياة! ثُم تكرر أخطاءك مرارًا وتكرارًا وتحاول أن تحسن الظن ، لكنك تنسى أن (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) فتراجع نفسك، وتعيد صياغة علاقاتك بالآخرين، وتبدأ برفع أسوار العزلة، محاولًا التنحّي والفهم ، وترمّم ذاتك المخذولة من حرب عشواء تُسمّى تجارب الحياة ، هُنا تصبر على ما أصابك وتتعلّم أن ذلك من عزم الأمور، ثم تتحوّل هذه التجربة إلى خبرة عميقة، تفهم من خلالها كيف لهذه الدروس أن تكون مفيدة جدًا، فما كان قاتلًا في التعامل معه، يصبح سلسًا وقابلًا للردع والصد بحكمة وتأنٍّ وبلا مشاكل! تتجلّى الحقيقة عندها حين تصطدم بسفح جبل الحكمة وتستمد في الصعود إلى قمة لم تكن موجودة إلا في طموح لا ينتهي! حينها تستعيذ بالله من الوهم ومن الجشع، وستحمد الله على ما كان وما سيكون، لتكتشف أن العاصفة العوجاء انتهت وحان للراحلة أن تتوقف لينصب العقل خيمة راحته، ويسلّم أمره إلى الله ليعلم أن رحلة الانتظار انتهت وأن المجهول معلوم وأن كل شيء بقَدَر! إن الانتظار فلسفة لا معنى لها بلا إقدام، ولا قيمة لها إن لم تسابق الخطوات نحوك داخل أسبار روحك، فبعد الوصول لابد من نهضة روح تأبى أن تجعل للانتظار سطوة وأن تكون أنت المتحكّم في رحلة منتهية، وبدلًا من الانتظار تجد نفسك ممتطيًا راحلة الاختيار، أن تختار نفسك دائمًا وأن تكون في الصف الأول من كل شيء، وهنا تتجلّى الحكمة في أن تبدأ بالدعاء لنفسك قبل كل شيء...(ربِّ اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا). لذا، لا تنتظر مجهولًا ، واختر أن تكون معلومًا ، ولا تبنِ روحك على مجهول ما استطعت، واتخذ بين المعلوم والمجهول سبيلًا، فلا حضورمنقطع ولا غياب مفرط.