العمل عن بُعد..

حين يلتحق العمل بالإنسان.

كانت الوظائف والفرص الاستثمارية في النصف الثاني من القرن العشرين تتركز في العواصم والمدن الرئيسة، التي أضحت بمثابة مغناطيس اقتصادي وبشري، يجذب رؤوس الأموال والكوادر البشرية. لهذا عانت المناطق الأخرى - خارج الحواضر الكبرى - في كثير من الدول من ارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب والشابات. وغالبًا ما كانت الهجرة إلى المدن المليونية هي الخيار الوحيد أمام الباحثين عن فرص أفضل للعمل. حيث أسهم هذا النمط في تضخم هذه المدن، وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة فيها، ناهيكم عن زيادة الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة، مقابل تراجع النشاط الاقتصادي في المناطق الطرفية، أو الأقل نموًا. مع التطور التقني المتسارع، وظهور أدوات الاتصال الرقمي، بات العالم يشهد تحولات جذرية في قطاع الأعمال ذاته، فلم يعد العمل مرتبطًا بمكتب تقليدي معين، أو موقع جغرافي محدد، بل أصبح بالإمكان إنجاز كثير من الأعمال من أي مكان تتوفر فيه شبكة اتصال وأدوات رقمية مناسبة. ومن هنا برز عالميًا مفهوم “العمل عن بُعد” خاصة في نطاق الوظائف الإدارية المكتبية. ليس كونه مجرد نمطٍ إداري حديث، بل باعتباره مشروعًا اقتصاديًا واجتماعيًا يمكن أن يسهم في إعادة توزيع الفرص الاقتصادية بين المناطق الجغرافية بصورة أكثر موضوعية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى العمل عن بُعد كأحد أهم الأدوات الحديثة لتحقيق “العدالة الجغرافية” في الاقتصاد. فبدلًا من انتقال الإنسان إلى الوظيفة، تنتقل الوظيفة إلى الإنسان. وبدلًا من اضطرار الشاب أو الشابة في المحافظات البعيدة إلى الهجرة نحو المدن الكبرى بحثًا عن فرص عملٍ تحقق لهم الحياة الكريمة، فإنه من الممكن أن تصلهم الفرصة وهم في مناطقهم، بما يخفف من الهجرة من الأرياف والقرى إلى المدن الكبرى، ويعيد تنشيط الاقتصادات المحلية، ويخلق توزيعًا أكثر توازنًا للدخل والثروة. ومن المهم أيضًا الإشارة إلى الأثر الاجتماعي للعمل عن بُعد. فهذا النمط من العمل يمكن أن يمنح المرأة فرصًا أوسع للمشاركة الاقتصادية، خصوصًا عندما تواجه بعض النساء صعوبات مرتبطة بالتنقل أو التوفيق بين العمل والأسرة. كما يتيح للأشخاص ذوي الإعاقة فرصًا أكبر للاندماج في سوق العمل دون عوائق مكانية أو لوجستية. إن برامج الحماية الاجتماعية لا تتحقق فقط عبر الدعم الحكومي أو البرامج الأخرى فحسب، بل تتحقق أيضًا من خلال توزيع الفرص الاقتصادية وفرص العمل بصورة متوازنة بين المناطق والفئات الاجتماعية. فالوظيفة ليست مجرد مصدر دخل، بل هي أداة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي، ووسيلة للاستقرار الأسري، ومحرك للنشاط الاجتماعي والتنمية المحلية. ولذلك فإن أي سياسة تُوَسِّع قاعدة الوصول إلى الوظائف تُسْهِم عمليًا في توسيع دائرة الاستفادة من النمو الاقتصادي. وهنا تظهر القيمة الاستراتيجية للعمل عن بُعد، فَهْوَ لا يوفّر فرص العمل فحسب، بل يعيد رسم الخريطة الاقتصادية والاجتماعية للدولة. فحين يعمل موظف أو موظفة في محافظة صغيرة لصالح جهة مقرها في العاصمة، أو في مدينة كبرى، فإن دخله يُضخ في الاقتصاد المحلي لمحافظته، مما ينشط الأسواق الصغيرة والخدمات المحلية والعقارات والمشاريع الناشئة. وبذلك تصبح التنمية أقل تمركزًا وأكثر انتشارًا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يحقق العمل عن بُعد فوائد كبيرة لأصحاب الأعمال والمؤسسات الصغيرة، ومتناهية الصغر المنتشرة في المحافظات والمدن الصغيرة. فهو يخفف كثيرًا من الأعباء والمصروفات الإدارية والتشغيلية، مثل إيجارات المقرات، وتكاليف الطاقة، والمياه، والضيافة، والصيانة، وبدلات النقل التي تُمْنَح للعاملين الحضوريين. كما يتيح للمنظمات الوصول إلى كفاءات متنوعة دون التقيد بالموقع الجغرافي. وقد أثبتت تجارب عالمية عديدة أن المؤسسات التي تتبنى أنظمة العمل المرن والعمل عن بُعد تستطيع تحقيق مستويات أعلى من الكفاءة والإنتاجية في كثير من قطاعات الأعمال الحضورية. ولعل جائحة كورونا كانت نقطة تحول تاريخية في هذا المجال، إذ أَجْبَرَت العالم على اختبار العمل عن بُعد على نطاق واسع. وخلال فترة قصيرة، اكتشفت الحكومات والشركات أن نسبة كبيرة من الأعمال يمكن إنجازها بكفاءة خارج المكاتب التقليدية. بل إن بعض المؤسسات العالمية قررت بعد الجائحة اعتماد نماذج هجينة أو دائمة للعمل عن بُعد، بعد أن لمست انخفاض التكاليف وارتفاع المرونة وتحسن رضا الموظفين. غير أن نجاح العمل عن بُعد لن يتحقق بمجرد السماح به وكفى، بل يحتاج إلى تطوير أنظمة العمل الحالية، لتشمل علاقات العمل عن بُعد، من حيث حقوق العامل وواجباته، وساعات العمل، وآليات التقييم، وحقوق التأمينات الاجتماعية، والسلامة المهنية، وحماية الخصوصية، والبيانات. كما يتحتم تطوير معايير عادلة تضمن عدم تحول العمل عن بُعد إلى وسيلة للتطفيف في حقوق العاملين أو استغلالهم. ولذلك فإن العمل عن بُعد ليس مجرد أسلوب عمل حديث فقط، بل هو مشروع اقتصادي واجتماعي وتنموي متكامل، يُسْهِم في فتح آفاق جديدة أمام الجنسين من سكان المناطق الطرفية، والأقل نموًا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يشجع “العمل عن بُعْد” على الهجرة العكسية، ويعزز اللحمة الاجتماعية للأسر. إنه انتقال من اقتصاد تتركز فيه الفرص في أماكن محددة، إلى اقتصاد تصبح فيه الفرص أكثر انتشارًا وعدالةً، وتقترب فيه التنمية من الإنسان حيثما كان.