ابن الدُمينة.. شاعر الشوق العذري ورفيف القلب البعيد.
فوق رمال الحجاز حيث تتجلى اغصان الغضا على صفحة القمر و حيث تمتزج رائحة الحرف الأول بصوت الريح وهي تلاعب أطراف الخيام وتصدح بأغاني المسافات هناك حيث الصمت أصدق من القول ولد صوت شعري ينساب مثل رقرقة نهرٍ في صحراء ممتدة إنّه عبد الله بن عبيد الله بن الدمينة الخثعمي أحد ألمع شعراء الغزل العذري في العصر الأموي، لم يكن شاعرًا عابرًا بل كان قلبًا يكتب ووجدانًا يصوغ العاطفة بلغة نقيّة تظل حاضرة رغم تقادم القرون. عرف بـ (ابن الدُمينة) لأن والدته تُدعى (الدمينة بنت حذيفة) من قبيلة سلول، وهو من بني عامر بن تيم الله من قبيلة أكلب، وُصف بأنه فارس شجاع جميل المظهر فصيح وذو غيرة قوية كان يفيض شعره بالغزل العفيف و العاطفة الصادقة. يتيمتُهُ في المديح رغم إنه عاش في زمن غلب على شعرائه التكسب بالشعر و كثرة المديح إلا إننا لم نجد في ديوانه إلا قصيدة واحدة في هذا الغرض و هذا يدل على إنه لم يقل شعره (رغبة و لا رهبة) و هذا أمر نادرٌ و يستحق الوقوف عنده، و هذه القصيدة هي قصيدة لامية يمدح بها معن ابن زائدة و التي مطلعها يا للرجال هوى أميمة قاتلي بعد الجلالة و الشفيق العاذل و يُكمل فيها مقدمة غزلية في محبوبته أُميمة أو كما يُحب ان يُناديها «أميمُ القلب» يُعرّج بعدها على ممدوحه بأبيات بديعة يقول فيها و فتى معدٍَ ذي الوفاء بعهده و أخي السياسة و القضاء الفاصلِ و المُنتضى لنكال من شقَّ العصا يوم التزايلِ بالوشيجِ الذابلِ ما اليمُّ من بحر الفرات إذا طمى بالسيل بين محافلٍ و جداولِ بأعمَّ نفعاً من نداك لمن بغى فضلاً و أثملَ للضعيفِ العائلِ خارج الزمن داخل الأسطورة الزمن في شعر ابن الدمينة ليس (ديكورا) لغوياً بل كائن حيّ يحرك العاشق و يطارده فالخروج منه إلى ساحة الفناء هاجس يحمله في خافقه فنراه مرة يقول: هل القلب عن ذكرى اميمة ذاهل نعم حين يمشي بي الى القبر حامل وإنك لا تخلو من البث والهوى إذا ما خلت ممن تحب منازل نلاحظ المقابلة بين الموت والنسيان، وبين خلو المنازل وامتلاء القلب، وهو ما يعكس وعيه العميق بارتباط الذاكرة بالمكان والإنسان. و في قصيدة أخرى يتوج فلسفته في هذا الصدد بأبيات غاية في أناقة الحزن يقول فيها عَجبتُ لسَعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ فيا حبذا الأحياء ما دمت حيةً و يا حبذا الأمواتُ ما ضمكِ القبرُ ان نكهة الجمال هنا في أنه يحوّل الزمن من مفهوم مجرد إلى شخصية درامية لها دور ومصير. و يختم الأمر بإدخال الحب في رمزيات الأسطورة إذ يقول ألا ليتنا نحيا جميعاً ببلدةٍ و تبلى عظامي حيث تبلى عظامها نكون كما كان المحبون قبلنا إذا مات موتاها تعارف هامُها يحاكي الشاعر هنا أساطير العرب عن التقاء الأرواح بعد الموت، حيث الهياكل العظمية (الهام) تتعارف كما كان أصحابها في الحياة و تتحول إلى طائر يسمى طائر «الصدى». أمين السر ورفيق الغيب يتجه ابن الدمينة اتجاهاً مختلفاُ في الغزل و يؤكد عليه في أكثر من قصيدة ليجعله من ثوابت الحب، هو حفظ السر وصون الحبيبة وهذا الموضوع نادر في الغزل إذ غالبًا ما ينشغل الشعراء بالغزل الحسي و الوصف أو البكاء على الأطلال، بينما يذهب ابن الدمينة إلى والضمير فيجعل الحب عهدًا و التزاماً أخلاقياً فنراه يقول: أبلغ أميمة إني لستُ ناسيها ولا مُطيعاً بظهر الغيبِ واشيها ولا مُضيعاً لها سرًّا علمتُ به حتى يجيب حِمامَ الموت داعيها ان القوة الجمالية في النبرة التقريرية (أبلغ أميمة) التي تعطي الأبيات شحنة صدقٍ مما يضاعف تأثيرها. و نراه يؤكد هذا الموضوع في أبيات أُخرى يقول فيها: لو تعلمين وقلّما جربتني والعِلمُ ينفعُ والعَمى ضَرّارُ لَعَلِمتِ أني بالمغيبةِ حافظٌ للسرّ منك وأنني نصّارُ ان المزج بين الحكمة (العلم ينفع والعمى ضرار) والوفاء العاطفي الطافح في الابيات يعطيها عمقًا فكريًا إلى جانب العلو العاطفي. و في قصيدة أُخرى يقول: يقولون: ليلى بالمغيب أمينةٌ لهُ وهو راعٍ سرّها وأمينها فإن تكُ ليلى استودعتني أمانةً فلا – و أبي ليلى – إذاً لا أخونُها هنا ينتقل إلى مثال آخر (ليلى) ليؤكد أن مبدأه ثابت وهو صون السر و الأمانة، و القسم (فلا و أبي ليلى) يضيف صدقًا مضاعفًا ويظهر إخلاصه بوصفه عقيدة راسخة لا مجرد عاطفة عابرة. و في بائيته الرائعة تتجلى أروع الصور في هذا الصدد إذ يقول: وإني لأستحييك حتى كأنما عليَّ بظهر الغيب منك رقيبُ بيت في غاية الرهافة يختصر الكلام في هذا الصدد و الصورة العالية في (رقيب بظهر الغيب) ترفع العلاقة من مجرد حب جسدي إلى علاقة سامية روحية تبتعد عن الملذات و الأمور الدنيوية. أصداء الحكمة في مرآة العاطفة لم يكن ابن الدمينة شاعرًا يذوب في العاطفة دون وعي ولا عاشقًا ينقاد لصوت القلب وحده بل كان يرى في الحب تجربة تتداخل فيها الحكمة مع الحنين ومن هنا جاءت مقاطعه التي صاغ فيها العقل بمداد الحب فنراه يقول: وقد زعموا إن المُحبَّ إذا دنا يَمَلُّ وإن النأي يشفى من الوجدِ بِكُلٍ تداوينا فلم يُشفَ ما بِنا على أنَّ قُربّ الدارِ خيرٌ من البُعدِ هنا يستعرض الشاعر مقولة اجتماعية: أن قرب المحبوب يولّد الملل وأن البعد يطفئ نار الحب لكنه ينفيها بالتجربة مؤكدًا أن الدواء لم يكن لا في قربٍ ولا بعدٍ بل في بقاء العاطفة متقدة على كل حال و في قصيدة أُخرى يقول: يقولونَ: لا تنظُرْ وتلك بليةٌ ألا كُلُّ ذي عينينِ لا بُدَّ ناظرُ وليس اكتحالُ العين بالعينِ ريبةٌ إذا عفَّ فيما بينَهُنَّ الضمائر في هذه الأبيات الشاعر يتناول نصيحة أخرى من المجتمع ألا ينظر العاشق إلى محبوبته لكنه يرد بحكمة: كل ذي عينين لا بد أن ينظر و يصوغ تعبير (اكتحال العين بالعين) بصورة بديعة إذ يحول النظر إلى نقاء ودواء لا إلى خيانة أو عيب. و يصوغ حكمة وجدانية في مقطوعة أُخرى إذ يقول: أُقضّي نهاري بالحديث و بالمُنى ويجمعُني والهمَّ بالليلِ جامعُ نهاري نهارُ الناس حتى إذا بدا لي الليلُ هزّتني إليكِ المضاجعُ في النهار ينشغل الشاعر أو يتشاغل كغيره من الناس أما الليل فيكشف المستور ويعيده إلى وجدانه العاطفي فالتضاد بين الليل و النهار يخلق حركة إيقاعية توازي حركة الشعور بين محاولة التعوّد و رسوخ العاطفة. بائيته و عينيته من أشهر قصائد ابن الدمينة هي القصيدة البائية و القصيدة العينية التي غَنّتْ السيدة فيروز مقاطعٌ منها في موشحاتها و من أجمل أبيات القصيدتين وإني لأستحييك حتى كأنما عليَّ بظهر الغيب منك رقيبُ ولو أن ما بي بالحصى فَلَقَ الحصى و بالريح لم يُسمع لهنَّ هبوبُ و لو أنني أستغفر الله كلَّما ذكرتُك لم تُكتبْ علَيَّ ذنوبُ فلست بمتروكٍ فأشربُ شربةً و لا النفسُ عما لا يُنال تطيبُ فلا خيرَ في الدُنيا إذا أنت لم تّزُرْ حبيباً و لم يطربْ إليكَ حبيبُ و في عينيته البديعة يقول: و أذكرُ أيامَ الحمى ثم أنثني على كَبدي من خشيةٍ أن تَصَدَعا و ليستْ عشياتُ الحمى برواجعٍ إليك و لكنْ خلِّ عينيكِ تدمعا بَكَت عينيَ اليُمنى فلمّا زجرتها عن الجهلِ بعدَ الحِلمِ أسبلتا معا كأنا خُلقنا للنوى و كأنما حرامٌ على الأيامِ أن نتجمعا ابن الدمينة ليس مجرد شاعر بَدَوي طرق أبواب الغزل بل كان مؤرخًا للعاطفة الإنسانية بكل تناقضاتها الفرح، الشوق، الخوف، الأمل، والفقد وفي كل بيت له تشعر أن الريح ما زالت تحمل رسائله هكذا يبقى اسمه معقودًا بنسائم نجد وتظل قصائده جسرًا يصل بين وجدان البادية والقلوب شاهدًا على أن الحب الصادق لا يشيخ. *شاعر و كاتب عراقي