مبادرة الشريك الأدبي وتحول المشهد الثقافي في الرياض.
أتأمل المكان والوجوه وهذا الجمع الذي جاء للمشاركة في ندوة ثقافية تناقش موضوع الجوائز الأدبية ودورها في دعم الحراك الأدب، والتي ينظمها صالون نُبل الأدبي وأدار الحوار- ببراعةٍ- الرائع عبدالله العيدي بأسلوبه المميز في إدارة الحوار وتنظيم المشاركات والمداخلات، كان الحوار سلسلا وممتعا وثرياً مع الدكتور نزار عبدالحميد، الذي جاء من أطراف بادية الشام على ضفاف نهر الفرات العظيم بلهجته التي تجمع بين لهجة العراق والشام والسعودية، والذي فهم بل تشرب الثقافة السعودية وشارك في الحركة النقدية وتفاعل مع ما يفرزه العقل الجمعي السعودي، مما يدل على وحدة ثقافتنا العربية، كيف لا والسعودية هي الأم والحاضنة للثقافة العربية فالسعودية هي جزيرة العرب التي شاء لها القدر أن تكون الحاضنة للثقافة العربية لغةٍ وأدباً وفكراً . جاءت هذه الندوة متزامنة مع نهاية الموسم الخامس لمبادرة الشريك الأدبي، تلك المبادرة التي حولت المشهد الثقافي السعودي إلى كرنفال ثقافي تشهده مقاهي الرياض والمساحات المشتركة وأندية الهواة والجمعيات ودور النشر، ويرتاده محبي الثقافة والأدب والفنون من الجنسين، ويدور فيها حوارات -على مستوى عالٍ من الرقي- بين المشاركين، مما يعزز الهوية الثقافية للفرد السعودي وينشر ثقافة الحوار والنقد البناء بين أبناء المجتمع، والذي يخلق -بدوره- قوة دافعة للتغير المجتمعي ومناخاً مريحا ومحفزا للإبداع والخروج عن الأطر التقليدية مع المحافظة على الهوية الثقافية. أتأمل الوجوه فأرى وجوهاً مألوفة كنا نلتقي بها مرة كل شهر في الخيمة الفلسفية في النادي الأدبي، حين كان النشاط الفكري والأدبي شحيحاً، والحراك الثقافي يكاد يكون محصورا على أماكن تعد على أصابع اليد الواحدة، كنا نلتقي هناك كباحثين عن الحقيقة، نبحث عن إجاباتٍ لأسئلة تراود العقل البشري في كل زمان ومكان، التفت إلى زاويةٍ أخرى فأرى وجوها جديدة تشق طريقها نحو المشاركة في هذا الحراك الحيوي الذي يدل على حيوية المجتمع وتوقه لرفع مستوى جودة الحياة من خلال الحضور والمشاركة في مثل هذه الأنشطة. أتأمل المكان، فأجدني في مبنيً عصري مرتب ومجهز بالتقنيات المناسبة، هذا هو مكتب مدينتي، الذي أبدعت فيه أمانة مدينة الرياض، حيث حولت المراكز البلدية من مكتب متهالك بائس إلى مكتب عصري يخدم الحراك الاجتماعي والثقافي. هذا المشهد كان من ضرب الخيال قبل اكثر من ١٠ سنوات فقط، إن هذا التحول الدراماتيكي في المشهد الحضاري والثقافي يدل على فاعلية وحيوية الجهاز الحكومي الذي تبنى تنفيذ رؤية ٢٠٣٠ ورسم خطط التحول الوطني، وكذلك يدل على حيوية وسرعة استجابة المجتمع السعودي الفتي الذي يطمح لمستقبل زاهر للأجيال القادمة .