مرافئ الضوء..

عندما تصبح الكلمة السعودية سفيراً للإنسان في الصين.

حين وقفتُ خلف منصة الحوار في معرض بكين الدولي للكتاب 2026، مطوقاً بملامح الحاضرين الذين قطعوا مسافات جغرافية وحضارية شاسعة للاستماع إلى الكلمة السعودية، أدركتُ بعمقٍ لا يخالجه شك أن الثقافة هي الجسر لإنقاذ الإنسانية من غربتها، والغلاف الروحي الذي يمنح الوجود معناه. كنتُ أحمل في حقيبتي الثقافية إرثاً ممتداً من رمال الجزيرة العربية وجبالها وواحاتها ونخيلها، وأصوات الأجداد الذين سكبوا حبرهم على ورق التاريخ، وتاريخاً طويلاً من الحكايات والقصائد التي تشكل وعينا الجمعي، لأهبها لشرقٍ آسيوي عريق يقاسمنا شغف الحكمة، ويعرف كيف ينصت لقرع الطبول التراثية وقصائد الفصحى والنبط المستلهمة من عمق الصحراء. إن الجلوس في تلك الندوات الثقافية، ومشاركة الأفكار مع أدباء ومفكرين من مختلف بقاع الأرض، يمنح المثقف شعوراً طاغياً بالفخر والاعتزاز بهذا المسار الحضاري الطموح الذي تقوده وزارة الثقافة، ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة، واحتضان مميز من جمعية الأدب المهنية، برؤية ملهمة. إنه مسار ينتشل الحوار الدولي من أروقة السياسة وحسابات الاقتصاد والمصالح العابرة، ليعيده إلى فضائه الحقيقي؛ فضاء الروح، واللغة، والشعر، والمشترك الإنساني الذي يعيد صياغة الوعي. هناك بين دفتي كتاب مُترجم وصوت أديب سعودي يتردد صداه بين لغتين متباعدتين في المبنى وملتقيتين في المعنى، تسقط المسافات وتذوب الفوارق النمطية، ليحل محلها إنصاتٌ متبادل يعيد صياغة العلاقات بين الشعوب على أسس من الاحترام المتبادل والدهشة المعرفية المستمرة. لقد كانت مشاركتنا الأخيرة في الصين هذا العام بمثابة ارتقاء بالتعاون الثقافي والأدبي إلى ذرى جديدة ودرجات أعلى من التنسيق الفكري؛ إذ لم نعد نكتفي بالتواجد العابر أو بالتعارف البروتوكولي التقليدي، إنما صرنا نؤسس لحوار أدبي حقيقي وعميق يستنطق الذات والآخر، ويفكك العزلة المعرفية التي فرضتها المسافات. إن هذه اللقاءات المباشرة وحلقات النقاش التي تداخلت فيها الرؤى الفلسفية العربية بالآداب الصينية العريقة، هي التي تمنح المثقفين والأدباء والشعراء دورهم الحقيقي والفاعل في قيادة المجتمعات نحو آفاق رحبة من التسامح والتعايش والتعاون المستدام. فالأدب حين يترجم ويعبر القارات يصبح بمثابة سفارة دائمة لا تغلق أبوابها، تسافر في عقول القراء وتزرع في وجدانهم ملامح من أرضنا وقيمنا وتطلعاتنا. ومن هذا المنطلق تصبح الثقافة هي الممهد الشرعي والروحي والركيزة الأساسية لكل تقارب اقتصادي أو سياسي بين الدول والبلدان. فالتجارة والاتفاقيات السياسية قد تبنيان المصالح المشتركة والتحالفات الاستراتيجية، لكن الثقافة وحدها هي التي تبني الصداقات الإنسانية الدائمة وتزرع الألفة والمحبة في قلوب الشعوب، مما يجعل القواعد الأخرى أكثر ثباتاً واستقراراً. عندما يفهم الآخر هويتنا من خلال رواية كتبت بصدق، أو لوحة رسمت بأصالة، أو ندوة فكرية ناقشت شجون الوجود، فإنه يتعامل معنا كشريك حضاري كامل، وهذا هو الجوهر الحقيقي للدبلوماسية الثقافية التي نلمس ثمارها اليوم في تعزيز العلاقات الشاملة وتوسيع آفاق الاستثمار المعرفي والمادي بين البلدين. ونحن اليوم، كأبناء ومشاركين في هذه الثقافة السعودية المتجددة والنابضة بالحياة، نخرج إلى العالم في كل محفل ومعرض كتاب، لنشارك العالم تجاربنا الإنسانية ونحاوره بندية وثقة، مؤمنين بأن ريادتنا نابعة من عمقنا الحضاري العتيق وقدرتنا الشابة على صياغة مستقبل إنساني أكثر جمالاً ورحابة. إن الحراك الثقافي الذي نتشرف بتمثيله في هذه المحافل الدولية يثبت يوماً بعد يوم أن الكلمة السعودية أصبحت جسراً عالمياً يربط الشرق بالغرب، وأن صوتنا الأدبي بات مسموعاً ومقدراً في عواصم الثقافة العالمية، الأمر الذي يملأ نفوسنا كأدباء بالاعتزاز، ويدفعنا لتقديم المزيد من الإبداع الذي يليق بمكانة هذا الوطن العظيم وبمسيرته الحضارية المظفرة نحو آفاق المستقبل المشرق.