هل يُعاني إنسان العصرِ الحديث من أزماتٍ خانقة دفعتهُ ناحية تأزُّم نفسي، حتى بلغَ الحال إلى اخترعِ مسارات بديلة؛ لتفريغِ الضغوط وعلاجِ النفوس؟ سؤالٌ حائر ظلَّ يبحث عن إجابةٍ في رواية “فتاة المتاهة”، للكاتبِ الفرنسي غيوم ميسو بترجمةِ سمر معتوق وإصداراتِ نوفل. الشخصيَّة الأساسية في الروايةِ “أوريانا دي بييترو” تُعاني من سرعةِ الحياة واستهلاكيَّتِها للذات والأشيَاء، لهذا تقعُ باستمرار تحت ضغطٍ شديد لا يتيحُ تسيير حياتها كما تشَاء، حيث الانشغالُ بإدارة شركةٍ ورثتها عن والدها بالشراكةِ مع خالتها وأخيها غيرِ الشقيق، كذلك لديها اهتماماتٌ حياتية مختلفة تسبَّبت بإبعادها عن “طِفلَيها وزوجها”. الضغوطُ الهائلة لم تكن السَّبب الوحيد لإصابتِها بـ”انفصام الشخصية”، ففي صِغَرها وبينما كانت في سيارةِ “المازيراتي” أوصتها والدتها مراراً بترك القطِّ في المنزل، أو إبقائه محبوساً في القفص لحينِ الوصول إلى وجهَتِهما، لكنَّ براءة الطفولةِ وعدم إدراكها للعواقبِ دفعتها لتجاهُلِ الأمر، حيثُ أخذت تعبثُ مع القط وانتهَت بفتح بابَ القفص، ليقفزَ إلى المقعد الأمامِي وتحاولَ الأم إمساكه، إلا أنَّه انزلق إلى أسفلٍ واختبأ بينَ “الدوَّاسات”؛ ما جعلها ترفعُ عصا الإيقاف لتنتهي بخروجِ السيارة عن السيطرة، إذ تدحرجت وسقطَت في منحدر، وبالكاد تمكَّنت أوريانا من الخرُوج، أما والدتُها فتُوفِّيت رغم محاولاتِ إنقاذها. أُصيبت الفتاةُ ذات الستَّةِ أعوام بجروحٍ خطرة وصدمة نفسيَّة شديدة نُقلت على إثرها إلى مُستشفَى قريب، وهناك تولَّى طبيب الأعصابِ والمعالج النفسِي “شابوي” الاهتمامَ بها لعامٍ كامل، حيثُ ظلَّت في المستشفى إلى أن تحسَّنت حالتها وأصبحَت مستعدة للمُغادرة، ولم تنقطِع علاقتهما منذُ ذلك الوقت، إذ اعتادَت إجراء فحُوصات منتظمةٍ عنده من أجل الاطمئنانِ على صحتها الجسديَّة والنفسيَّة، فحين اشتكَت من “تعب كبير وإغماء وتدهوُر في حواسها الإدراكية”، أجرى لها عدداً من الفحُوصات الدقيقةِ؛ ليكتشف وجود ورمٍ “سرطاني” في الدماغ بحجمِ “كرة تنس”، تم تشخيصُه في “المرحلة الرابعة” التي لا ينفعُ معها أيُّ “علاج كيماوي” أو إشعَاعِي. حُدِّد شهرانِ لتموت وطُلب منها أن تستعدَّ وتُخبر عائلتها، لكنَّها رفضت الرضوخ لتعليماتِ شابوي، بل إنها أخذت تعهُّداً منه بألَّا يخبر عائلتَها فهي ستتولى إخبارَهم، وبعدَ مغادرتها اتجهت لفندقِ “بريستول” حيثُ اعتادت الإقامةَ فيه، طالبة حضورَ “أديل” خادمةَ الغرف؛ كي تباشرَ احتيَاجاتها فبينهُما مَعرِفةً سابقة، إذ استقبلَتها وحكت بعضاً من تفاصيل رحَلَاتها، ثم طلبت أن تتعهدَ بعدم البوحِ بما ستقولهُ لها حتى وإنْ لم تُوافِق عليه وإلَّا ستكون “العواقبُ سيئة”، أرادت عقدَ اتِّفاق معها سيؤدِّي إلى تغيير كبيرٍ في حياتها وسيجعلُها تعيش بشكلٍ أفضل. مُلخَّص الاتِّفاق: أن تحلَّ أديل محلَّ أوريانا في منزِلها ولدى عائِلتها، فترعى طفلَيها وتتزوَّج من “أدريان ديلوناي” زوجِها، وستُخبرها بكيفية استمالتِه والحصول إلى قلبِه، فهي من يمتلكُ “مفتاح” الدخولِ إليه؛ لتظهرَ علامات التعجُّب على وجهها غيرَ مُصدِّقة ما يُقال، إذ يستحيل أن تتخلَّى امرأة عن حياتها لصالحِ امرأة أُخرى؛ لتطلعها أوريانا على حالتِها الصحية، فالطبيبُ حدد مهلةً لا تتجاوز شهرينِ وبعدها ستمُوت، اتَّضحت الصورةُ في ذهنِها وأدركت أن باعثها يتمثَّل في رغبتها بالمحافظةِ على عائلتها بعيداً عن الاضطرابِ والتشتُّت، وليس كما حصلَ معها بعد موتِ والدتها في حادثِ السيارة. قبِلَت أديل العرضَ بعد صراعٍ نفسي وتفكيرٍ عميق، فمن ناحيةٍ هل يجوزُ لها أخذ زوجِ امرأة أُخرى حتى وإنْ كانت ستمُوت؟ ومن ناحيةٍ ثانية كيف تتركُ رغبتها هيَ وحياتها وتتجهَ لتعيش حياة امرأةٍ مختلفة عنها، فتتلبَّس بسلوكياتها وأفكارِها وتحل محلها في أداءِ دورها كأمٍّ وزوجة؟ سؤالان في غايةِ الأهميَّة يحركان الروايةَ ويرسمان أحداثِها، فأوريانا ستنالُ ما تريد وستساهمُ في استقرار عائِلتها، كما أنَّ طفليها لن يتعرَّضا للتشتت والاضطرابِ الناتج عن موتِ الأم، حيثُ أديل على علاقة جيِّدة بهما كما تجيدُ التعامل معَهما، وبالنسبة لزوجِها سوف تُساعدها في كيفيَّة الوصول إلى قلبِه لتنال ثقته ومحبَّته. مضَى شهران، ثمَّ أربعة، ثمَّ ستة، وأوريانا لم تمُت، وإن ظلَّت تعاني من “قَيْء وإنهاك وتعب وإغماء”؛ ما دفعَها للعودة إلى شابوي وإجراءِ فحوصات جديدةٍ لاكتشاف أينَ وصل المرضُ وما هي حالتُها! توقَّف الطبيب طويلاً أمام النتائج، ثم طلبَ أن تعيد الفحصَ للتأكُّد، وفي النهاية أخبرها بحدوثِ معجزة، لقد “شُفيت” تماماً و “لا أثر للمرض”! تلقَّت الخبر بصدمةٍ و”عدم تصديق”، فكيفَ لمريض بورم سرطانيٍّ من الدرجة الرابعةِ أن يُشفى؟ أجابَ: “هكذا هو الأمرُ” ولا أمتلك تعليلاً لما حدث، فهذهِ من الحالاتِ النادرة جدًّا، وبدلاً من السعادة بزوالِ المرض انفجر غضبُها واتهمته بالتسبُّب بمشكلات كبيرةٍ في حياتها! تواصلَت مع “زيغلر” المحاسبُ المالي للشركة، حيثُ طلبت توفير مبلغِ “300 ألف يورو”؛ لأنَّها لا تستطيع سحبهُ دون أن تثيرَ الشكوك، بينما هيَ لا ترغب بمعرفةِ أحد لما يحدث؛ ليُجريَ تعديلاً على الحِسَابات، ويحصل على المبلغِ خلال وقتٍ قصير؛ فأخذته والتقَت بأديل وأخبرتها بتعافيها وزوالِ الورم، ثم طلبَت منها قطع علاقتِها بزوجها، والمكافأةُ ستكون ثلاث مئةِ ألف يورو موجودةً في حقيبتها. رفضَت أديل وأصرَّت على أنها ليست “دُمية” تستطيع التحكُّم بها وتوجيهها وقتَما تشاء، خصوصاً أنها بدأت التفكيرَ بـ”إنجاب طفل” من أدريان، وسيقومانِ بتربيته مع أخويهِ كي تتوثَّق علاقتُهم، في النهاية هدأَت وغادرت حاملةً الحقيبة. بحثَت عن “بيرند شولزر” الجنديُّ السابق والقاتلُ المأجور، فدفعت له المبلغَ من أجل أنْ يقتل أوريانا المتسببةِ بدمار حياتها وضياعِ أحلامها، فما كانَ منه إلا أن نفَّذ الأوامر التي وصلتهُ حيث اغتالها في “اليَخت”؛ لتتجهَ أصابع الاتِّهام إلى زوجها، الذي حُوصِر بالأدلة وأُلقي القبض عليه والتحقيقُ معه وأُودع السجن، ثم حُرِم من دفعِ الكفالة بانتظار انتهاءِ التحقيقات، لتأتيَ المحققة “جوستين” وتتهمهُ صراحة بأنه مَن قتل زوجتَه، فأنكر ودافع عن براءَته ورفض الاتِّهامات، موضحاً أن استنتاجَاتها غيرُ مترابطة وليست واقعيَّة، وأن القضيَّة ضده لا تقومُ على دليل مُتماسِك؛ لتعملَ على توسيعِ دائرة التحقيق التي شملت المحاسب والطبيبَ وأشخاصاً آخرين، ليست بينهم وبينَ القضيَّة أيُّ صلة ظاهِرة. اكتشفَت جوستين إصابةَ أوريانا بـ”اضطراب الهوية التفارُقي”، وهو مرضٌ يؤدي إلى اختلاقِ شخصية موازيةٍ تُلقَى عليها الأعباءُ والمشاكل النفسيَّة، والهدف أن يتمكَّن المصاب من ممارسةِ حياته بطبيعيَّة، وسببُ ظهور الشخصيَّة الموازية حدوثُ صدمة شدِيدَة، وأوريانا تعرَّضت لثلاث صدماتٍ؛ الأُولى حينما فتحَت القفص رُغم تحذير والدتها فتسبَّبت بموتها، والثانيةُ حينما أخبرَت والدها بالحقيقةِ بعد سنوات طويلةٍ فأُصيب باكتئاب حادٍّ وتوفي بعد أيام، والثالثةُ حينما علِمَت بشفائها من الورمِ بعد أن هيَّأت لأديل أن تحلَّ محلها كأمٍّ وزوجة، “بعض ضحايا العنف الجسدي أو النفسي يلجأون إلى نوع من الانفصام لمواصلة عيش حياتهم كأطفال: آلية دفاع في اللاوعي تتشكَّل لدرء الأحداث المؤلمة. وهذا ما حدث لأوريانا”. اعتمدَت رواية “فتاة المتاهة” على حِبكة بوليسيَّة إطارُها العام جريمة قتلٍ، وبعدها بحثٌ عن قاتل، وفي داخلِها عدد من القصصِ الفرعية المتَّصلة بعالمِ أوريانا، الذي ظلَّ هادئاً إلى أنْ “فتحت القفص” وقفزَ القط لتبتدِئَ الشُّرور، فمن شعورٍ بالذنب حِيالَ وفاة والدتها، إلى فقدانِ والدها بعد إخبارِه بالحقيقة، ثم صدمتِها حين علِمَت بشفائِها؛ لتظهر شخصيتُها الموازية التي غدت ملاذاً لإفراغ مُشكِلَاتها وأزمَاتها، وهي مُشكِلَات منتشرة يُعاني منها إنسانُ العصر الحاضِر، ولا يمكن السَّيطرة عليها تماماً، وهو يشيرُ إلى هروب الإنسانِ من الواقع ولجوئِه إلى الوهم؛ من أجلِ خلق واقعٍ بديل يعيشُ فيه بشخصيتِه الموازِية، “الفصام هو اضطرابٌ ذهاني يُفقد الشخص إحساسه بالواقع. ويعجز المرضى به عن التفريق بين الواقع والهلوسات التي تعذِّبهم، غير أنهم لا يعانون من هويات متعدِّدة. أمَّا اضطراب الهوية التفارقي فيؤثر على استمرارية الهويَّة والذاكرة”.