بين الشعري والفكري تداخل متشعب، وكل تأمل في هذا التداخل لا بد له أن ينطلق من مسببات داخلية وخارجية، قد تكون مقرونة بما هو مفهومي صرف. لأن جل مؤشرات تمظهرات الفكري في الخطاب الشعري تحيل على الذات الكاتبة، بما هي ذات تفكر في موضوعها الشعري، وتبنيه انطلاقا من خلفيات معرفية وحياتية. وهنا يستطيع الشعر أن يتمثل جزءا من الوضع الوجودي، وينفتح على ما عجز الفكر أن يشرحه أو يشير إليه. بيد أن الفكر الموصول بالشعر قد ينتحل صفة الإيماء والإيحاء، لأنه يدل عما ليس فيه، فيما هو شعر مكسو بروح تأملية، له طاقته وفعاليته في الاضطلاع بازدواجية الأداء. ذلك ما قد يروم الشعر تقصّده في بعض التجارب التي أعلت من احتكاكها بالمفاهيم الكبرى، واختارت التماهي غير المشروط مع الفكر، وبدون أن ينتظر الفكر خصوصية الشعر. فالقضية متعالقة ومتداخلة، تستوجب تبين خصوصياتها وجماليتها بالنظر إلى تجدد الصبوة بالفكر والحقيقة في السياق التخييلي. وإذا كان الشاعر «يشتغل على استعارات. والاستعارات لا تستدعي الإيمان بها. ما يهم حقا هو أن نفكر في أنها تستجيب لانفعال الكاتب وعاطفته»1، هذه الاستجابة التي ترسي منابت تشكل الشعري الذي يستدرج الموضوع ويعمق الفكرة، ويتخاطب بالتوازي مع الإحساس الرامي إلى الاقتناع بالشعر، والتعبير به. ففكرة مخاطبة الموتى، في السياق الشعري هي ما تجعله في ارتباط كلي بعالم متأرجح بين الممكن والمستحيل، وتستجيب لتلك الحاجات الأساسية التي من خلالها يترجم الشاعر تصوره وفكره الشعري. وهذا الانعطاف نحو المجرد يتقصد تجاوز الوقائع، وافتعال واقع مستحيل التحقق، لأنه الأقدر على التفسير والتفاعل مع مدركات الوعي الشعري الذي يستبطن عالما فسيحا أكثر فعالية وغنى، وهو عالم اللاشعور. فكل قصيدة «تندلع من فكرة، ليس فيها ملامح التجريد الذهني، التي تتميز بها الأفكار عادة. فكرة مرئية؛ لأنها تندلع على هيئة صورة (واقعية أو خيالية)، مشوبة بعاطفة؛ لأنها، كما يبدو، قد صدرت عن عاطفة، ثم تجسدت في صورة، وتعالت..»2 . لعل الأمر يستدعي التوقف عند الخصوصية الأدائية، وهي لا تستقيم دون عناصرها البانية، لأن الفكرة الكتابية عند الشاعر تتحقق نصيا، وتنبثق وفق نباهة خاصة، واستجابة ذاتية. يروم هذا التأطير التوقف عند تجربة الشاعر السعودي إبراهيم الحسين من خلال عمله الشعري “يخطئ الموتى”3، وهو كتابة منفتحة على موضوعها بوعي مسبق، وبرؤية تأبى التقطيع، وإنما تتقصد الدنو من الفكرة عبر فقرات متضامة ومتداخلة ومرقمة، تؤشر على الموت والموتى برمزية خاصة. وقد بلغ عددها (59) فقرة تنفتح وتتقاطع مع مسافات مفهومية متعددة، والأمر لا يتعلق فقط بشكل الكتابة ، بل يتعدى إلى خصوصية الموضوع المطروق، والدليل على ذلك أن الشاعر قد اختار القالب الكتابي الذي يسعف رؤيته، لنجد الإمكانية واردة لديه لمعالجة موضوعه. لعل التصور الشعري والكتابي الذي انطلق منه الشاعر إبراهيم الحسين هو مخاطبة الموت والموتى والإحساس بالوضع الوجودي، وهذا يُنبئ عن رؤية شعرية طافحة استند عليها الشاعر ليراوغ رمزية الموت سواء من سياقه الإحساسي أو من خلال التمثل الكتابي. والسعي المقصود قد تبدى عبر أداء مقاوم ومعاند ومستقرئ للوضعيات المحتملة والمستحيلة أيضا. إذ يقول الشاعر في المقطع رقم 36: يخلص الموتى لخطئهم لا يهملون فيه، يؤدونه بكل ما أوتوا من غياب، يتفانون فيه حد أنهم لا يسقون النبتة التي رافقتهم، يدعونها لجفافها لانحنائها يدعونها لسقوط أوراقها ودمعها، لا يطعمون أماكنهم شيئا من وجوههم أبدا، 4 يمكن القول حيال هذه المقتبسة المُستلّة من المقطع رقم 36، أن الشاعر يشيد خصوصية رؤيته لغياب الموتى، وأن خطأهم كامن في تركهم كل شيء، وهذا الاستثمار لمفهوم الترك الكلي والغياب الأبدي هو الذي يعلي من كتابة تنفي غرضيتها، ولكنها تمجد تفاعلها مع فكرة الغياب برؤيا شعرية عميقة وكاشفة وراصدة للتفاصيل. فكل غياب هو إهمال لاستمرار الحياة كما هي، وكل موت هو انغمار مشدود بالبعد والعزل عن الوظيفية الوجودية إلا من زاوية تنشيط الذاكرة. فالموتى يؤدون وظيفتهم بكل ما أوتوا من غياب. قد يدل هذا على النتيجة المدوية التي جذبت الشاعر إلى إدانة غياب الموتى والإحساس بالموت الكلي. ومثل هذا التيقظ للموت والموتى إنما يطرح دينامية التشاكل كمفهوم محوري في الكتابة عند إبراهيم الحسين، إذ لا يقتصر ديوان “يخطئ الموتى” على اكتشاف العلاقات التشاكلية بين الإنسان وأسطورة الفقد، بل يمتد به الشاعر ليحاول من خلاله إيجاد علاقة بين الواقع والخيال، وهي علاقة يمتد بها العمل الشعري عبر أنظمة ثنائية متعارضة (الغياب/السقي) (الوجود/الغياب) تترجم الشعور الحقيقي وهو في كل وضعية له صلات بمرجعياته المحتملة، وتضطلع وظيفته بمد الجسور بين الغائب والحاضر، وسلطة الغائب على الحاضر، وكل أشكال التشابك بين الصوت والمخاطب. يضع الشاعر إبراهيم الحسين لكتابه الشعري “يخطئ الموتى” سياقا نابعا من صميم التجربة والكتابة التي تتعقب الموت في شتى صوره، وذلك من أجل تخصيب لغته لتغدو قولا معقولا عن خلفية مستحيلة، وتخلق جسورا قريبة من وقائع أصبحت مألوفة في الواقع المعاصر. يقول في المقطع رقم 7: يخطئ الموتى يبنون عدمهم يتركوننا نقيم بعيدا عنهم فيه، يشقون لنا طريقا ويتركوننا وحدنا نمشي فيه، يرفعونه عاليا ويخلوننا وحدنا نزرقّ فيه.. الموتى يعلون عدمهم ويطاولون به الظن أنهم أخطأوا وأخطأوا.5 تتمركز بنية المقطع حول المتكلم الجمعي الذي يدين الموتى على غيابهم، وهي أنا كلية، راوية ومروي لها، تعمل، في هذا المقام، على أن تعدد أخطاء الموتى، وتقرنها بالعدم والغياب والوحدة، وتفتح سجلا إحصائيا للخسارة عبر معادلة قاسية لا تؤشر على حل واضح أو انفراج في الأفق، بقدر ما تعقد الرؤية الإشكالية للفكر الكتابي. هذا الوعي بالموت والموتى هو أساس فلسفة العلاقة التي ربطت الشاعر إبراهيم الحسين بالوجود، وبالكتابة في امتدادها المتأرجح بين الإحساس بالغياب، وإعلاء الأداء الشعري، ولا يفتأ هذا التصور أن يقود إلى تبين جوهره في الكشف عن انفصام الفراغ. فما يعضد رؤية الشاعر الكتابية هو الصراع مع الفراغ ومجابهته باحتمالية الملء، غير أنه من حين إلى آخر يستعيد أناه عبر مخاطبته المديدة وغير المشروطة مع الموتى بعدهم مكونا أكثر إبلاغا عن حرارة شعوره بدفء الوجود وتأكيد الحضور ولو مجازيا. يقول الشاعر في المقطع رقم 29: ويخطئ الموتى إذ يرون خطانا خلفهم خطى فائضة لا يعرف أصحابها ماذا يفعلون بها، يستغربون أنّا لا نحمل يأسا معنا من مناداتهم إيانا بأسمائنا، ويأخذون علينا أننا لا نتفق معهم ونرفض أن نفهم أو أن نصدق أنهم أخطأوا، وأننا نمشي وراءهم صامتين..7 يؤشر المقطع على وضع سوريالي مفتوح على دلالات عدة، وهو في أصله يشكل عمق البنية النفسية التي تحدد وجهة الكتابة وسماتها وكل ما يحدد سفرها نحو ألقها. فالشاعر يثير هذا الاقتران بالموتى ويتمثل إحساسهم تجاه الأحياء، وأن الصورة الذهنية تقصدت معارضة الاستعارة على نحو كلي، ومن خلالها امتدت الحركة نحو تشابه المصير. فالشاعر تكلف بما يضمن لكلماته تلك المعادلة الموضوعية المستحيلة لتجربته الانفعالية، ربما الكلمات في المجموعة ككل لا تصنع معناها، ولكنها تجعل الانفعال يتعقب الخط العام للموتى. ليس فكر الغياب هو الفكر المقرون بالموت، بل تعميق للارتباط والاسترجاع من مطلقات وجودية، يؤدي تنويع النظر فيها إلى انكشاف الثنائيات الضدية المسعفة لتقبل المجهول وتصييغه شيئا معلوما، وتجذير ذلك التجاور والتلاقي بين المتباعدين، لأن الإحساس بالفقد، وإدانته عبر تنويعات متراكمة ومتراكبة، قد يترجمه التكرار اللازم (يخطئ الموتى) ويضاعفه بدون جدوى أحيانا. لقد كان إبراهيم الحسين مشغولا بمبعث إحساسه بالموت والموتى، الشيء الذي ترجم غرابته المتناهية، لأن طبيعة الموضوع الشعري مفتوح على تجريديته، بل ثمة شيء في قرارة النفس، فيما يبدو، قلق أنطولوجي موصول بأسباب التشظي، والتوق إلى استكناه المجهول. فلم تعد الكلمة مسعفة، وإنما وسيلة لتأدية مسببات التلظي والانشطار الذاتي. والغوص في مثل هذه التجربة قد يبقي المرء يعيش في جدلية لها شواغلها وقلقها، لتأتي الكتابة ليست حلا مؤقتا، وإنما خلاصا. .......................................... الإحالات: 1 - خورخي لويس بورخيس، صنعة الشعر، ترجمة: صالح علماني، دار المدى – بغداد، ط/2، 2014، ص. 128. 2 - فوزي كريم، القلب المفكر، منشورات المتوسط – إيطاليا، ط/1، 2017، ص. 13. 3 - إبراهيم الحسين، يخطئ الموتى، منشورات تكوين – الكويت، ط/1، 2022. 4 - نفسه، ص. 79. 5 - نفسه، ص. 21. 6 - وعزيز الطاهر، المناهج الفلسفية، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء/بيروت، ط/1، 1990، ص - ص. 153- 156. 7 - إبراهيم الحسين، يخطئ الموتى، ص. 65. * شاعر وناقد مغربي