الساحرة المستديرة في مرايا الأدب العربي ..

عندما تتحول كرة القدم إلى نص أدبي.

الكرة هي قطعة من الجلد المنفوخ، لا جمال فيها ولا فتنه، لا تصلح حتى أن توضع في ركن بالبيت. ومع ذلك تصنع الأفاعيل في الأجيال. وأجناس البشر. ومع أن قانون لعبة كرة القدم لم يرتفع أبداً إلي قانون الشطرنج، أو أي لعبة فكرية. أو بدنية، إلا أنه يحفظ قواعده الفقراء والأغنياء، والنساء والشيوخ، والسياسي، وغير السياسي، بل يحفظه كل الناس من البشر. وكرة القدم هي الأثيرة لدى الكثرة الغالبة من الشعوب شرقاً وغرباً أكثر من الرياضات الأخرى، مما حدا بالاتحاد الدولي لكرة القدم – الفيفا- إلى دعوة نخبة من الكتاب والأدباء مثل الأديب البرازيلي باولو كويلر، والكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو لحضور مباريات كأس العالم (المونديال)، شأنهم شأن نجوم السينما والمسرح الذين يحظون بحب الجماهير، ولا يقل عنهم لاعبو كرة القدم وربما كانوا أكثر جاذبية، لما تسببه هذه اللعبة من إثارة وما تصدر عنه من رغبة في التنفيس عن المشاعر المكبوتة في عالم سمته الصراع والتنافس في سبيل إحراز النصر. ولعبة كرة القدم تمثل القوة لكن ما يُخاف منه أن تتحول من رياضة يسعى أربابها إلى بناء الأجسام والسمو الأخلاقي إلي حرب ضروس يسقط فيها بعض اللاعبين صرعى أو جرحى وهم في شرخ الشباب فتفقدهم الملاعب وتفقدهم شعوبهم وهم عُدَّة المستقبل. كما يُخشى أن تتحول هذه الرياضة إلى مطية لعتاة الرأسماليين دعاة نظرية اقتصاد السوق أو السوء وهو الجانب المظلم للعولمة، فيستغلونها في كسب المزيد من الأرباح عن طريق الإعلانات والمراهنات والدعاية التي تخلب الألباب. والخشية أيضاً أن يُستبدل بالكفاح التنافسي الشريف الصراع الدامي لا بين الفرقاء من اللاعبين بعضهم وبعض فقط، بل بين شعوب ينتمي إليها هؤلاء اللاعبون، فيتحول الأشقاء إلى أعداء أشقياء، وحينئذ تذهب أدراج الرياح أهداف الرياضة، وتطغى الهمجية على التعاون والإخاء بين البشر، وتُشغل الشعوب لاسيما في العالم الثالث عن تحقيق مطالبها المشروعة باللهاث خلف كرة القدم، هذه الساحرة المستديرة التي جُنَّ بها مشاهدوها، وألهمت أفانينها الأدباء المبدعين، كما وجدت فيها الشعوب المغلوبة علي أمرها ملاذاً لها تمارس فيه حريتها الوحيدة دون إكراه أو رقابة أمنية، فأصبح ولاؤها لهذه الرياضة وحدها، وغدا بعض لاعبيها في نظر الجماهير المتعطشة وبعض رجال الإعلام أيضاً لا عباقرة فقط بل أبطالاً. وعن كرة القدم في تراثنا النثري نجد قول ابن خلدون في تاريخه يصف معركة دارت بين فريقين: “ولأنهم على ما يظهر كانوا يواجهون القتال أبدا كأنهم يواجهون ساحات الصوالج والأكر”. كما ورد في كتاب نثار الأزهار في الليل والنهار وأطايب الأصائل والأشجار لابن منظور صاحب لسان العرب المتوفى (711هـ-1311م): “الدبوق كرة شعرية ترمي في الهواء ثم يتلقاها الغلام ضاربا لها تارة بصدر قدمه وتارة بالصفح من ساقه اليمني راداً إياها إلى العلو على الدوام”. وكرة القدم كانت من ألعاب الأطفال بالمغرب والأندلس بالقرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، فقد ذكرها ابن هشام اللخمي الإشبيلي (توفي 570هـ) في كتابه: المدخل إلى تقويم اللسان (تحقيق خوسيه بيريث لاثارو، مدريد 1990م) حين قال: “والكرة التي يُلعب بها، فيها لغتان: كُرِةُ وأُكرةُ، على ما حكي أبو حنيفة فأما قول عامة زماننا كُورَة فخطأ”. وقد أوجز العقاد في أحد مقالاته، مدارس كرة القدم في عصرنا الحديث- كأنه أحد مدربي كرة القدم الكبار فقال ما نصه: “يعرف خبراء كرة القدم، أربع مدارس مشهورة لهذه اللعبة العالمية وهي: المدرسة الأيقوسية: وهى التي تعتمد على الضربات القريبة مع ملاحظة أساليب الشخصيات اللاعبة التي تنتقل الكرة منها وإليها لحظة بعد لحظة. المدرسة الإنجليزية: وهي التي تعتمد على الكرة نفسها وعلى اللاعب الذي يصادفها بعد وصولها إليه، ولو ابتعدت المسافة بين من يرسلها ومن يتلقاها. المدرسة الأوربية: وهي تجمع بين الطريقتين – الأيقوسية و الإنجليزية- على حسب المناسبة، وتضيف إليها شيئاً من ألاعيب الرشاقة والمناورة. المدرسة الأمريكية: ويشرحونها على وجوه كثيرة أقربها إلى الواقع أنها توزع الحركة نصفين متعادلين بين خطة الدفاع وخطة الهجوم وبين الابتداء بالسرعة أو تأجيل السرعة إلى الأشواط الأخيرة”. للمفكّر المغربيّ عبد الله العروي رواية مستلهمة من كرة القدم بعنوان: الفريق، وكتب الروائي المغربي عبدالكريم الجويطي فصلاً في روايته: زغاريد الموت، عن كرة القدم. أما الأديب الجزائري رشيد بوجدرة فله رواية بعنوان: ضربة جزاء، وقد استوحى هذه الرواية من حدث وقع في أثناء الكفاح ضد المستعمرين الفرنسيين وأعوانهم. ذلك أن أحد الولاة الجزائريين الذين خانوا شعبهم ووالوا العدو الغاصب كان يجلس بجوار أحد كبار المسئولين الفرنسيين في باريس مشاهدين مباراة لكرة القدم، فصوب فدائي جزائري من المقيمين في فرنسا مسدسه إلى ذلك الوالي في لحظة ركلة جزاء قام بها أحد اللاعبين فأرداه صريعاً. فهذه الرصاصة معادل موضوعي لضربة الجزاء. وقد دخلت كرة القدم ميدان القصة القصيرة أيضاً، إذ دارت حول محورها أحداث قصة كفر عمر مصطفى للأديب والإعلامي طارق حسن وهي ضمن مجموعته التي نشرت سنة 1997 بعنوان (المسافة الزرقاء)، والقصة تصور عبر التفاصيل الدقيقة تصرفات أركان اللعبة من لاعبين وحكام ومتفرجين ومعلقين، وينقل التليفزيون أحداثها كما ينقل حركات المشاهدين المستثارين وأصواتهم الصاخبة: “أطلق حكم المباراة صفارته معلناً بداية اللعب: الفريق المضيف يرتدي لون البرازيل: فانيلة صفراء، شورت أزرق. أما الضيوف فكانوا يلبسون الزى الأحمر. وبدأت الكرة تتناقل بين الأقدام، ولم تمض ثوان حتى قذف مهاجم الفريق الأصفر الكرة باتجاه مرمى الخصم، فمرت بجوار القائم وكادت تسجل هدفاً... تعالت الأصوات، آهات الإعجاب تأتي من كل صوب، المزمار والطبل البلدي مستمران في إلهاب عواطف الجماهير”. وتنتهي القصة بالمقطع الآتي الدال على التشابه أو التفاوت بين لعبة السياسة ولعبة كرة القدم وكيف تستغل الأولى الثانية: “حمل أهالي الكفر الكأس المُهدى من التلفزيون، وأجرى المذيع معهم بعض الحوارات التي اتسمت بالود والوعي بدور الرياضة، وضحك السياسيون المحترفون وهم يلوِّحون للجماهير. وسرعان ما غادروا القرية، وراح الموكب يجول في أزقة الكفر، وانطلقت زغرودة من أحب البيوت فقال الطيب: الآن يستطيع وائل أن يتزوج، ويفي حمدي بنذره ويضحي بالجدي، ويذهب الجميع إلى حقولهم وهم فخورون بالنصر”. الكاتب الكبير توفيق الحكيم له جملة شهيرة تعليقا على الرواتب الخياليّة – كما كان يظنها في عصره- للاعبي كرة القدم نصها: “انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم...، لقد أخذ لاعب واحد في سنة واحدة ما لم يأخذه كل أدباء مصر من أيام أخناتون”. أما نجيب محفوظ والذي عُرف بشغفه “بالساحرة المستديرة” لاعبا في شبابه، ومشاهدا فيما بعد، فقد خصّ كرة القدم بمقال شهير. أما الشاعر محمود درويش المعروف بحبّه لكرة القدم فله قوله مشهورة عن كرة القدم نصها: “ما هي كرة القدم هذه؟ ما هذا السحر الجماعي الذي لم يحلَّ لغزَه الشائع أحد؟ مارادونا لا يسأل غريزته. سقراط البرازيلي هو المفكّر المشغول بتأملات ميتافيزيقية حول الضربة الركنية. وزيكو يلاحق كابوس ضربة الجزاء، التي طارت من الملعب فطارت البرازيل من الحلم. وبلاتيني يُحسّن شروط التقاعد. وبيليه الخبيث يُجاهد لإخفاء الشماتة التي تصيب الملوك المخلوعين. ولكن مارادونا يعرف شيئا واحداً هو أن كرة القدم حياته وأهله وحلمه ووطنه و.. كونه.” وقد أنكر درويش على الأدب غفلته عن فتنة كرة القدم فقال: “لماذا لا يتعامل الأدب مع هذا البارود العاطفي، الذي يشعل الملايين في علاقتها بالمشهد الذي يحولها هي إلى مشهد درامي؟”. أما عبدالكريم الجويطي (روائي ونائب رئيس فريق “رجاء بني ملال” المغربي وصاحب رواية: زغاريد الموت-والتي بها فصلاً كاملاً عن كرة القدم)، فيعتقد أن كرة القدم هي التجسيد الأسمى لدراما الحياة، ويقول: “إذا كانت كرة القدم أصبحت الرياضة الأولى عالميّاً ولا يمكن لأي رياضة أن تنافسها، فذلك لأن هذه الرياضة تخاطب شيئا عميقا في الإنسان، فهي الرياضة الوحيدة التي يمكن أن تحرك في الإنسان غرائزه البدائية”. ويشرح الروائي المغربي فكرته قائلاً: “إذا تأملنا مشهد الملعب سنجد فريقين يجرون وراء الكرة ونجد المرمى وجمهورًا يُحمِّس، أليست كرة القدم في نهاية المطاف هي الطقس البدائي لعملية الصيد، تماماً كما يفعل بعض الصيادين الذين يدفعون الطريدة للدخول إلى الشباك؟ واللاعبون هم الصيادون والكرة هي تلك الطريدة”. وبالتالي هناك شيء في كرة القدم يجعلها لا تخاطب عقل المتفرج، ولا قدرته على المشاهدة، وإنما تخاطب اللاوعي العميق للإنسان”.