ليس القلم كالعصا.

استوقفتني تغريدة للكاتب والإعلامي القدير الأستاذ/محمد التونسي عبّر فيها عن استغرابه من بعض الجهات الخدمية التي تتجاهل الملاحظات الوجيهة التي يطرحها الناس عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وهو استغراب أتفق معه تماماً، بل إنه قادني إلى التأمل في جانب آخر من القضية، يتعلق بدور الكاتب نفسه وحدود ما يستطيع أن يفعله. فهناك من يظن أن الكاتب إذا كتب عن مشكلة ما فإن الحل يجب أن يأتي فوراً، وإذا لم يحدث ذلك عدّ مقاله بلا أثر. وهذه نظرة لا تنصف الكلمة ولا أصحابها، لأن القلم ليس عصاً سحرية تُغيّر الواقع بمجرد أن تتحرك على الورق أو تظهر على الشاشة. فالكاتب لا يملك قراراً تنفيذياً، ولا يعتمد ميزانية، ولا يغيّر نظاماً، وإنما يملك رؤية وفكراً وتجربة يحاول من خلالها أن يلفت الانتباه إلى موضع الخلل ويضع ما يراه من حلول ومعالجات. إنه يؤدي دوراً أقرب إلى التشخيص منه إلى العلاج، وأقرب إلى التنبيه منه إلى التنفيذ. ولذلك فإن قيمة الكاتب لا تُقاس دائماً بسرعة الاستجابة لما يكتب، بل بقدرته على رؤية ما يغيب عن غيره وجرأته في طرحه وإخلاصه في تناوله. وكم من قضية كُتب عنها مراراً دون أن تجد آذاناً صاغية في حينها، ثم مرت السنوات لتعود إلى الواجهة بعد أن تضخمت آثارها، فيتبيّن أن ما كُتب عنها سابقاً لم يكن مبالغة ولا ترفاً فكرياً، بل قراءة مبكرة لواقع كان يمكن تداركه لو أُخذت تلك التنبيهات بالاعتبار. ولعل المتأمل في كتاب الله عز وجل يدرك أن وضوح البيان وإقامة الحجة لا يعنيان بالضرورة استجابة الجميع. فقد جاءت النصوص بالوعظ والتوجيه والتحذير من الغيبة والنميمة والظلم وأكل الربا وأكل مال اليتيم والكذب والزور وسائر المحرمات، ومع ذلك بقي من الناس من يخالف ويعصي. وليس معنى ذلك أن التوجيه فقد قيمته، بل إن الحجة قد قامت، وأصبح الإنسان مسؤولاً عن اختياره وما يترتب عليه من نتائج. ولهذا قال الله تعالى: “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء”. فمهمة البلاغ والبيان شيء، والاستجابة شيء آخر، ولله المثل الأعلى. وكذلك الكاتب؛ فهو لا يستطيع أن يُلزم جهة بالإصلاح أو يجبر مسؤولاً على تبني رأيه، لكنه يستطيع أن يؤدي واجبه في النصح والبيان وكشف الخلل. فإذا استجابت الجهة فذلك خير، وإن تجاهلت ما كُتب فإن الزمن كثيراً ما يتكفل بإظهار الحقائق وكشف ما كان خافياً. ومن هنا فإن على الكاتب ألا يتوقف عن الكتابة لأنه لم يرَ أثراً فورياً لما يكتب، بل عليه أن يستمر في أداء رسالته بصدق وإخلاص. فربما كانت مهمته الحقيقية أن يكون شاهداً على عصره، يوثق الخلل قبل استفحاله، وينبه إلى الخطر قبل وقوعه، ويترك بين يدي الزمن شهادة قد لا تُفهم اليوم، لكنها تُدرك غداً. فليس القلم كالعصا، لكنه يبقى أداة تحفظ الوعي وتوقظ الغفلة.