كتب الأمير تركي الفيصل مقالة لافتة حملت عنوانًا مباشرًا: “هكذا نجح محمد بن سلمان”. لم تكن المقالة سردًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل قراءة صريحة لمحاولة جرّ المملكة إلى ما وصفه الأمير بـ”الخطة الإسرائيلية لإشعال الحرب”، وهي الخطة التي لو اكتملت لكانت كفيلة بإعادة تشكيل الإقليم على نحو يجعل إسرائيل “الفاعل الوحيد في محيطنا”. هذه العبارة وحدها تكشف حجم الفخ الذي كان يُراد للمملكة أن تنزلق إليه، وتستدعي العودة إلى نظريات العلاقات الدولية لفهم كيف استطاع سمو ولي العهد تفكيك ديناميكية هذا الفخ وإبطال مفعوله بمهارة سياسية محسوبة. ذهب عالم السياسة الأمريكي روبرت جيرفيس في دراسته الكلاسيكية التعاون في ظل المعضلة الأمنية 1978 إلى أن الدول المرنة القادرة على الصمود تنظر إلى التهديدات الخارجية بقدر أكبر من الهدوء والتروي؛ لأن قدرتها على التحمّل تمنحها ما لا تملكه الدول الهشة: هامش الاختيار.(1) والمملكة العربية السعودية، بحجمها النفطي وعلاقاتها الاستراتيجية وإنفاقها الدفاعي الضخم، تبدو في المقام الأول نموذجاً لهذه الدولة المرنة التي تستطيع أن تتحمل الضغط دون أن تنجرف. غير أن أسابيع التصعيد الإقليمي منذ أواخر فبراير 2026 كشفت أن المملكة نُصِب لها فخٌّ بنيوي حقيقي؛ فخٌّ لا يستهدف إسقاط الدول الصغيرة، بل استنزاف دولة كبيرة وقوية حتى تفقد مرونتها. وهذا هو جوهر فخ القوة. يقدّم التاريخ الإقليمي القريب النموذج الأساسي لهذا الفخ. في عام 1980 أُقنع صدام حسين بأن ضرب إيران الثورية سيكون عملية عسكرية لا تتجاوز أسابيع تنتهي بإسقاط نظام الخميني. فدخل الحرب بجيش مدرّب ونفط ودعم عربي وغربي سخي، مطمئناً إلى أن حجمه وقوته تحميه. وبعد ثماني سنوات خرج منهكاً بديون تفوق طاقته، فتطلّع إلى الكويت مخرجاً. وحين أوحت السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي له قبل الغزو بأن واشنطن لن تتدخل، كان ذلك الفخ الثاني. وبعد حرب الخليج 1991 وعقد كامل من الحصار الاقتصادي، عندها كان العراق جاهزاً للسقوط والتفكيك 2003م. والسؤال هنا ليس كيف سقط، بل من استفاد من سقوطه؟. إيران التي امتد نفوذها من بغداد إلى بيروت، وإسرائيل التي أزاحت أكبر قوة عربية مسلحة عن حدودها الشرقية دون أن تطلق رصاصة واحدة. هذا ما وصفه جورج زيمل بمفهوم المستفيد الثالث الذي يكسب من صراع طرفين دون أن يدفع ثمنه. (2) لم تعد هذه القراءة نظرية بحتة. ما جرى منذ فبراير 2026 يؤكد واقعية فخ القوة موثقا بالأرقام. في الثامن والعشرين من فبراير، وبمجرد أن شنّ الجانبان الأمريكي والإسرائيلي ضرباتهما على المنشآت النووية والقيادة الإيرانية، لم تنتظر إيران لتردّ على من ضربها مباشرة، بل فعّلت شبكة وكلائها في المحيط الإقليمي كلّه، وكانت المملكة في قلب هذا التفعيل. فقد أطلقت إيران صواريخ باتجاه الرياض وقاعدة الأمير سلطان الجوية في الخرج، فاعترضتها الدفاعات السعودية واستدعت الرياض السفير الإيراني. وبعد ذلك كانت مصفاة رأس تنورة، أكبر مصافي أرامكو بطاقة 550 ألف برميل يومياً هدفاً لمسيّرات وصواريخ إيرانية جديدة؛ واعترضت الدفاعات السعودية الطائرتين لكن الحطام أشعل حريقاً اضطر معه المجمع للإغلاق الكامل احترازياً فقفزت أسعار النفط عالمياً نحو 10% في يوم واحد. واستُهدفت السفارة الأمريكية في الرياض بهجوم مسيّرة. ولم يكن مصدر التهديد إيران وحدها؛ إذ كشف تقرير وول ستريت جورنال في أبريل 2026 أن ما يصل إلى نصف ما يقارب ألف هجوم بالمسيّرات استهدف المملكة خلال خمسة أسابيع قد انطلق من الأراضي العراقية ونفّذته ميليشيات مدعومة من إيران، رغم أن المملكة لم تُشارك في الحرب ومع ذلك استقبلت كل هذا. هذا التتابع الكثيف للهجمات يكشف أن المملكة كانت تواجه نمطًا تصعيديًا ذا طبيعة بنيوية، لا مجرد أحداث متفرقة. وهذا النمط هو ما يمهّد لفهم البنى الثلاث التي تشكّل فخ القوة، حيث يتحول الضغط المتراكم إلى إطار استراتيجي يقيّد خيارات الدولة ويستنزف مرونتها. وما يكشفه المشهد الراهن هو اكتمال ثلاث بنى متشابكة تشكل فخ القوة: •البنية الأولى هي الإحاطة الجغرافية: من الجنوب الحوثيون وكيل إيران في اليمن، ومن الشمال الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران التي باتت مصدراً لنصف الهجمات على المملكة وفق وول ستريت جورنال، ومن الشرق إيران مباشرةً عبر الصواريخ الباليستية والمسيّرات البحرية في الخليج، فضلاً عن أنشطة المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن التي تُهدد الأمن الوطني السعودي من اتجاه لم يكن محسوباً بالكامل. •البنية الثانية هي تمرير المسؤولية: وهي البنية التي تُدفع فيها المملكة لتحمّل عبء المواجهة عبر صناعة رواية توحي بأنها طرف في الحرب. فالضغط الأمريكي على المملكة لم يتوقف رغم الهجمات عليها، بل ربما ازداد. فقد ذهبت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى حدّ الادعاء بأن المملكة تشارك في عملية الغضب الملحمي، فيما روّجت بعض الصحف الأمريكية روايات تزعم أن الرياض تضغط على واشنطن للاستمرار في الحرب وإسقاط النظام الإيراني، رغم أن المملكة أعلنت بوضوح دعمها للوساطة والحلول الدبلوماسية. هذا هو منطق الفخ في أدق صوره: الضربات التي تتلقاها المملكة من إيران بدافع أنها تشارك بالحرب عليها تضغط عليها للرد، والرد يُفعّل موجة هجمات جديدة. •البنية الثالثة هي بنية الاستفادة: بينما تستنزف الهجمات المملكةَ اقتصادياً وتُشتت قدراتها الدفاعية، يجمع المستفيد الثالث ثماره بهدوء. إسرائيل لا تدفع ثمن الهجمات على رأس تنورة ، بل الأخطر أنها إن أكملت ما بدأته، وأجبرت الظروف المملكة – لا سمح الله- بأن تنجرف للمواجهة، فستنسحب وتترك الرياض في مواجهة مفتوحة مع إيران ووكلائها وحدها. حينها لا يكون الفخ قد نجح في توريط المملكة فحسب ، بل في عزلها أيضاً. قد يُقال وهذا اعتراض وجيه: إن المملكة أثبتت بالضبط ما تحدث عنه جيرفيس” دولة مرنة تنظر للتهديد بهدوء وتروي”، فقد اعترضت الصواريخ والمسيّرات وأدارت الأزمة دون إعلان حرب وأبقت قنواتها الدبلوماسية مفتوحة. وهذا صحيح لكنه يُثبت الحجة لا يُفنّدها. لأن جيرفيس نفسه يُنبّه إلى أن المرونة ليست ثابتة، بل هي قدرة تتآكل مع تراكم الضغط. وكل صاروخ تعترضه المملكة هو استهلاك من احتياطيها الدفاعي، وكل مصفاة تُغلقها خسارة اقتصادية حقيقية، فالفخ البنيوي لا يكسر الدولة المرنة دفعة واحدة بل يستنزف مرونتها تدريجياً حتى تصبح ما لا تريد أن تكون. وإذا قرأنا المشهد بعيون المنطق البنيوي لا بعيون النوايا، يتضح أن ما يجري ليس صراعاً بين محورين بل ديناميكية ثلاثية تجعل المملكة العربية السعودية الخاسر البنيوي بصرف النظر عن خياراتها. ما يجري اليوم يرسم ملامح نظام إقليمي جديد تحاول أن تتصدّره إسرائيل كقوة واحدة لم تنتصر في الحرب بل نجت من استنزاف أنهك كل من حولها. وتكون المملكة الحلقة الأثقل في سلسلة بدأت بالعراق ومرّت بسوريا ولبنان واليمن لأن استنزافها سيُعيد رسم الخريطة الإقليمية دفعةً واحدة لا تدريجياً. لذا، فإن الحالة العراقية علّمتنا أن الاستنزاف الإقليمي لا يحتاج مؤامرة مُدبَّرة فقط ، بل يحتاج فقط أن تتشابك المصالح وتتراكم الأخطاء في التقدير وتتحرك الجغرافيا بمنطقها الذي لا يستأذن أحداً. وما يُضيفه الواقع الراهن على صحة نظرية فخ القوة، هو أن المنطق بات موثقاً بالأرقام: ألف هجوم، وإغلاق أكبر مصفاة، واستدعاء سفيرَين، وأسعار نفط متقلبة. كل ذلك في خمسة أسابيع فقط على دولة لم تُشارك رسمياً في الحرب. غير أن جيرفيس يمنحنا أيضاً مساحة للتفاؤل الحذر: صحيح أن المملكة العربية السعودية دولة مرنة بما يكفي لتتجنب الانجرار التلقائي، شريطة أن تعي البنية المحيطة بها وتُدير مرونتها بذكاء لا أن تستنزفها في ردود أفعال متسرعة. وفي النهاية، يتضح أن ما أفشل فخّ القوة لم يكن تبدّل النوايا ولا وعود الحلفاء، بل قرارٌ واع بعدم السماح للآخرين بتحديد مسار المملكة أو توقيت مواجهاتها. فالدول لا تُستنزف بضربة واحدة، بل حين تفقد قدرتها على اختيار لحظة الفعل من لحظة الامتناع. وما جرى في الأسابيع الماضية أثبت أن المملكة ما زالت تملك هذا الخيار، وأن إدارتها للضغط لا تقل أهمية عن قدرتها على تحمّله. وفي إقليم تتحرك فيه البنى قبل اللاعبين، تبقى الدولة التي تحافظ على حقها في اختيار معاركها هي الدولة الوحيدة القادرة على النجاة من الفخ لا الوقوع فيه. ________ (1) Robert Jervis, “Cooperation Under the Security Dilemma,” World Politics, Vol. 30, No. 2 (Jan. 1978), pp. 167–214, p. 172, https://www.jstor.org/stable/2009958 (2) Liljenberg, A. The Austrian Tertius Gaudens: A Revisit of Competition Theory in Light of Georg Simmel. Rev Austrian Econ 18, 195–218 (2005). https://doi.org/10.1007/s11138-005-6827-0 * باحث في العلوم السياسية Salanazias@gmail.com