من جامعة ألاباما إلى كأس العالم..

كيف تصنع أمريكا أبطالها وملاعبها؟

قبل أن تنطلق صافرة كأس العالم 2026 على الأراضي الأمريكية، كان كثيرون يتكهنون بالفشل. قالوا إن أمريكا لا تفهم كرة القدم، وإن شعبها لا يكترث بالمونديال، وإن تنظيم البطولة الأكبر في العالم يحتاج إلى ثقافة رياضية من نوع مختلف لا تملكها هذه البلاد. وها نحن اليوم في قلب البطولة، ومنتخبنا السعودي يشارك فيها بكل فخر، والملاعب تغص بالجماهير من كل أصقاع الأرض، والتنظيم يُبهر العالم. فمن أين جاءت هذه القدرة؟ ولماذا لم يُفاجأ بها من عاش في أمريكا وعرفها عن قرب؟ الجواب عندي، وقد عرفته خلال عشر سنوات قضيتها في تلك البلاد طالباً وأستاذا ومراقباً ومعاشراً لهذا المجتمع. اكتشفت في تلك السنوات حقيقةً بسيطة في صياغتها، بالغةً في دلالتها: أمريكا لا تنتظر كأس العالم. ليس تعالياً على العالم ولا جهلاً بالكرة، إن أمريكا ببساطة صممت لنفسها نظاماً رياضياً مكتفياً بذاته، يدور في حلقة متجددة من الإثارة لا تتوقف على مدار فصول السنة الأربعة. وبينما يعيش العالم شغفه بالساحرة المستديرة ويترقب كأس العالم كل أربع سنوات كأنه ينتظر عيداً لن يتكرر، تعيش أمريكا في دوامة رياضية لا تهدأ ولا تتوقف طوال العام. من يعيش في أمريكا يدرك سريعاً أن الشغف الرياضي هناك لا يعرف فراغاً ولا انتظاراً. كرة القدم الأمريكية تملأ الخريف صخباً وحماساً، وكرة السلة تضبط إيقاع الشتاء، والبيسبول يسيطر على أشهر الصيف. أما الألعاب الأولمبية فحكايتها مختلفة تماماً؛ لا ينتظرها الأمريكيون كل أربع سنوات ثم يستعدون لها على عجل، إنما يبنون لها طوال العام وكل عام، من خلال بطولات محلية متواصلة في كل رياضة أولمبية تتخيلها، تصقل اللاعبين وتنتقي الأفضل وتُهيئهم للحظة المواجهة الكبرى. وحين يصل الأمريكيون إلى الألعاب الأولمبية لا يذهبون للمشاركة فقط ، بل يذهبون ليثبتوا للعالم أنهم سادة هذه الرياضات. والتقويم الرياضي الأمريكي مكتظ بالأحداث اثني عشر شهراً دون انقطاع، حتى أن كأس العالم يبدو في جدولهم المزدحم حدثاً عابرا من بين الأحداث، لا محطة استثنائية ينتظرها الناس بشوق. والسر الحقيقي خلف هذه الإمبراطورية الرياضية ليس في الملاعب الفارهة ولا في العقود الضخمة، إنما في مكان أكثر تواضعاً وأعمق أثراً: في ساحات المدارس الابتدائية وغرف الدراسة. الرياضة في أمريكا ليست نشاطاً جانبياً يُمارَس على هامش التعليم. هي نظام حياة يبدأ مبكراً ويتبلور بوضوح في المرحلة الدراسية الثانوية. هناك يظهر في المشهد كشّافو المواهب، يجوبون البلاد طولاً وعرضاً بحثاً عن النابغة المختبئ في مدرسة ثانوية ، وفي قرية لا تجدها على الخريطة إلا بعسر. والجائزة التي ينتظرها هذا النابغة ليست عقداً احترافياً مباشراً. إنما منحة دراسية رياضية كاملة تفتح له أبواب كبرى الجامعات وتتكفل بكل شيء من السكن والأكل إلى التعليم، مقابل شيء واحد: أن يقاتل بشعار جامعته. وهنا يبدأ أجمل ما في هذا النظام، وأنا لا أقول ذلك من باب القراءة والتحليل، إنما من باب المشاهدة والمعايشة. حين التحقتُ بجامعة ألاباما بداية عام ٢٠١٧ م لم أكن أعرف أنني سأقع في غرام كرة القدم الأمريكية. فجامعة ألاباما ليست مجرد مؤسسة أكاديمية، إنها إمبراطورية رياضية قائمة بذاتها. كانت مدينة توسكالوسا الجامعية الصغيرة تتحول كل جمعة من كل فصل دراسي إلى مهرجان شعبي لا تكاد تصدقه. يبدأ المشجعون من كل أرجاء الولاية بالتوافد على المدينة ، تُنصب الخيام داخل أروقة الحرم الجامعي ويتغير شكل الكواد ( المنطقة الخضراء داخل الحرم الجامعي بجانب المكتبة الرئيسية) ، وتشتعل المشاوي في الهواء الطلق، ويتزاحم الناس بملابسهم ذات الألوان الحمراء والبيضاء الأنيقة التي لا يقل تنسيقها عن ملابس الأعياد. كنتُ أقف مذهولاً وأتساءل: كيف لمدينة جامعية صغيرة أن تنظم حدثاً بمقاييس عالمية كل أسبوع وبسلاسة تامة؟ في ذلك الجو المشحون بالحماسة والانتماء وقعتُ في غرام كرة القدم الأمريكية، وأدركتُ لأول مرة ما معنى أن يكون لديك فريق لا تشجعه فحسب، إنما تُعرّف نفسك به. فريق “Alabama Crimson Tide” لم يكن فريقاً رياضياً بالمعنى المجرد. كان هوية ألاباما وعنوانها وكبرياءها. ووقف وراء هذا التحول رجل أعترف أنني مأخوذ بفلسفته وسيرته: المدرب الأسطوري نيك سابان، الذي قضى أكثر من سبعة عشر عاماً يقود الفريق. سابان لم يكن مجرد مدرب موهوب. كان مفكراً وفيلسوفا من الطراز الرفيع . فلسفته الشهيرة “The Process” أي “المنهج”، لا تقول للاعب: “فكر في الفوز بالبطولة”. تقول له: “فكر فيما عليك فعله في هذه اللحظة بالذات، في هذه التمريرة، في هذا الجهد الذي تبذله الآن، ودع النتائج تأتي من تلقاء نفسها”. الانتصارات الكبرى ليست إلا تراكماً لانتصارات صغيرة لحظية، والبطولة لا تُصنع بالحماس العاطفي العارض، إنما بالنظام الصارم المتواصل. سابان لم يبنِ بطلاً واحداً، إنما بنى نظاماً يُنتج الأبطال باستمرار. وهذا الفارق بين النجاح الفردي والتميز المؤسسي: هو جوهر ما تعلمته في تلك السنوات، وما أريد إيصاله في هذا المقال. وإذا أردت أن تفهم حجم هذه الثقافة الرياضية الجامعية وعمقها، فيكفيك أن تعرف أن ملاعب كرة القدم الجامعية في أمريكا هي من أضخم الملاعب في العالم. فملعب “Michigan Stadium” الذي يطلق عليه الأمريكيون اسم “البيت الكبير” يتسع لأكثر من 107,000 متفرج. وملعب “Kyle Field” في تكساس يتسع لأكثر من 102,000 متفرج، وملعب “Bryant-Denny Stadium” في ألاباما الذي عشت سنوات أحضر المباريات فيه يتسع لأكثر من 101,000. هذه كلها ملاعب جامعية فقط، بُنيت للطلاب لا للمحترفين . وتلك الدربة التنظيمية المتراكمة أسبوعاً بعد أسبوع وسنةً بعد سنة هي التي أوجدت ملاعب وصالات تدريب حتى في أصغر القرى الأمريكية، وهي وحدها التي تفسر لمن تساءل كيف تنجح أمريكا في تنظيم كأس العالم وكأنها تفعل ذلك وهي نائمة. ولا ينتهي الأمر عند التخرج، فالجامعة ليست إلا المحطة التي تُصقل فيها الموهبة قبل أن تنطلق إلى ما هو أكبر. يعود كشّافو المواهب من جديد، هذه المرة لنقل الصفوة من دوري الجامعات إلى التنين الأكبر: دوري كرة القدم الأمريكية الاحترافي “NFL”، الأغنى في تاريخ الرياضة البشرية. وعملية الاختيار تُسمى “NFL Draft”، حدث بذاتها يُبث تلفزيونياً ثلاثة أيام متتالية ويتابعه الملايين بشغف لا يقل عن شغفهم بالمباريات نفسها. الدوري يضم اثنين وثلاثين فريقاً، وفي موسم 2026 بلغ سقف رواتب كل فريق على حدة 301 مليون دولار، والدوري بمجمله يجني قرابة عشرين مليار دولار في السنة. والأجمل في هذا النظام أنه لا يسمح للمال وحده بصنع البطولات، إذ يضمن سقف الرواتب الموحد ألا يشتري الغني بطولةً، إنما يفوز من يملك الاستراتيجية الأفضل والمنظومة الأمتن. والخيط هنا واحد متماسك من الألف إلى الياء: ابتدائي، ثانوي، جامعي، احترافي. في كل مرحلة بنية تحتية ومكتشفو مواهب ومنح وبطولات وجمهور، لا ثغرة ولا انقطاع ولا ضياع للموهبة في الطريق. وتتويج هذا الجنون السنوي كله يكمن في مباراة “السوبر بول”، النهائية الكبرى للدوري، التي تحولت على مدى عقود من حدث رياضي إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية وإعلامية لا مثيل لها في العالم. تكلفة إعلان مدته ثلاثون ثانية في السوبر بول 2026 وصلت إلى عشرة ملايين دولار، بعد أن كانت في أول نسخة من البطولة عام 1967 لا تتجاوز 37,500 دولار، أي أن القيمة ارتفعت في ستين عاماً بأكثر من ستة وعشرين ألف ضعف. والناس لا يتجنبون الإعلانات في السوبر بول كما يفعلون في كل برنامج آخر، إنما يترقبونها وينتظرونها ويتداولونها، لأنها باتت فناً إبداعياً مستقلاً تتسابق عليه كبرى الشركات بأعلى طاقاتها الإبداعية. السوبر بول يوم عطلة غير رسمي في أمريكا، ومناسبة اجتماعية وطنية، وشاهد على قدرة هذا البلد على تحويل أي حدث رياضي إلى تجربة حضارية شاملة، وهو ما نراه اليوم في كأس العالم. عشر سنوات في أمريكا علمتني أن الرياضة هناك ليست مجرد “لعبة” أو “تسعين دقيقة” ينتظرها الجمهور كل أربعة أعوام ليرفعوا الأعلام. الرياضة في أمريكا تروس تدور في ماكينة ضخمة تبدأ من ساحة مدرسة ابتدائية في قرية لا اسم لها، وتمر بملعب جامعي يتسع لمئة ألف شخص في مدينة صغيرة، وتنتهي بعقود بالمليارات في ليلة السوبر بول. إنها بنية تحتية جُعلت لتكون نظام حياة مستدام، ودرس حقيقي في كيفية تحويل الشغف الرياضي إلى صناعة وطنية مكتفية بذاتها. إن النظام الرياضي الأمريكي يقول لنا بصوت عالٍ وواضح، الملعب الكبير وحده لا يصنع الأمم الرياضية. يصنعها المدرب المتواضع في المدرسة الصغيرة، ومكتشف الموهبة الذي يقطع مئات الكيلومترات بحثاً عن لاعب في قرية لا اسم لها، والجامعة التي تعطي شاباً موهوباً فرصة التعليم والتدريب معاً. وحين تكتمل هذه الحلقات المتصلة، لا يحتاج الوطن إلى انتظار كأس العالم، لأنها هي من يصنع الكأس. * أستاذ الإعلام والاتصال المساعد في جامعة طيبة بالمدينة المنورة