الإنسان.. بين الرحمة والافتراس.
في كل العصور الماضية - تقريبًا - كانت هناك نار. أحيانًا كانت نارًا حقيقية تلتهم الجسد أمام الجموع، وأحيانًا كانت زنزانة معتمة، أو سيفًا مرفوعًا، أو محكمة مكتظة بالقضاة، أو فتوى، أو حتى حملة تشهير لا تترك للإنسان مكانًا يعيش فيه. لكن النار، مهما اختلف شكلها، كانت تبحث دائمًا عن الشيء نفسه: الضمير. إن تاريخ البشرية ليس فقط تاريخ الإمبراطوريات والحروب والفتوحات. إنه أيضًا تاريخ أولئك الذين وقفوا وحدهم في مواجهة الجموع. أولئك الذين رفضوا أن يقولوا ما لا يؤمنون به، أو يؤمنوا بما لا يقتنعون به، أو يتظاهروا بما لا يعتقدون. كان بعضهم فلاسفة، وكان بعضهم علماء دين، وكان بعضهم مصلحين، وكان بعضهم رجالًا ونساءً عاديين لم يطلبوا سلطة ولا مجدًا. كل ما فعلوه أنهم تمسكوا بحقهم في أن يفكروا. كان سقراط واحدًا منهم، وكانت هيباتيا الإسكندرانية واحدة منهم، وكان أحمد بن نصر الخزاعي رجل الحديث منهم. وكان يان هوس منهم، وكان جون ويكليف منهم، وكانت آلاف الأسماء التي نسيها التاريخ منهم أيضًا. ليس مهمًا دائمًا أن نتفق معهم. فالهدف من هذا المقال ليس الدفاع عن آرائهم، ولا تبني معتقداتهم، ولا إصدار أحكام نهائية عليهم. إنما الهدف فهم اللحظة التي يصبح فيها الاختلاف جريمة. فقد يكون الإنسان على خطأ، لكنه لا يستحق القتل بسبب خطئه. وقد يكون مخالفًا، لكنه لا يستحق الإحراق بسبب مخالفته. وقد يكون صاحب رأي شاذ، لكن ذلك لا يمنح أحدًا حق إسكاته بالنار أو السيف أو السجن. لقد كان الذين ألقموا سقراط السم مقتنعين أنهم يدافعون عن المدينة. والذين قتلوا هيباتيا مقتنعين أنهم يدافعون عن الدين، والذين أحرقوا المصلحين مقتنعين أنهم يحرسون العقيدة، والذين أعدموا خصومهم في كل عصر كانوا يرون أنفسهم حراس الحقيقة. وهنا تكمن المأساة. فنادرًا ما يرتكب البشر جرائمهم الكبرى باسم الشر. بل يرتكبونها غالبًا باسم الخير. إنه عن الإنسان. ذلك الكائن القادر على بناء المكتبات وحرق أصحابها في الوقت نفسه. والقادر على كتابة أجمل المواعظ عن الرحمة ثم إقامة المشانق، وإشعال النيران باسمها. وأمام كل هذا وذاك، لم أتمكن من توجيه الاتهام، إلى أمةٍ معينة، ولا إلى شعب معين، ولا إلى دين معين، ولا إلى مذهب معين، حتى ولا إلى عصر محدد. إن تكرار هذه المآسي عبر الحضارات المختلفة يثير سؤالًا أبعد من الضحايا والجلادين. إنه سؤال قديم ومتجدد في آن واحد: هل التوحش فطرة أم اكتساب؟ بل: ما مقدار التوحش الكامن في الإنسان، وما الذي يوقظه أو يكبحه؟ وقد انقسمت حوله الأديان والفلسفات وعلوم النفس والاجتماع إلى اتجاهات متعددة. فهناك من يرى أن الإنسان يحمل في داخله نوازع عدوانية وغرائز بقاء تجعله ميالًا إلى العنف متى غابت الضوابط. ومن أصحاب هذا الرأي الفيلسوف الإنجليزي “توماس هوبز 1588- 1679م.” الذي يرى التوحش فطرة أصيلة في الإنسان. حيث يرى الإنسانية في حالتها الطبيعية تعيش في حال “حرب الجميع ضد الجميع” ويجزم بأن الحياة دون دولة وقانون تكون: منعزلة، وفقيرة، وقذرة، ووحشية. أما المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت فقد كتب ما معناه: الحضارة نهر ضيق تحيط به من الجانبين همجية متربصة. بينما ذهب عالم النفس سيغموند فرويد أن الإنسان يحمل في داخله نزعتين متصارعتين: غريزة الحياة. وغريزة الموت والتدمير. في المقابل وقف الفيلسوف الفرنسي “جان جاك روسو” الذي كان يرى أن: الإنسان يولد خيرًا بطبيعته، لكن المجتمع هو الذي يفسده. واعتبر أن: الظلم، والاستغلال، الطبقية، والحروب. كلها منتجات اجتماعية أكثر من كونها غرائز فطرية. وفي جزيرة تقع بين الضفتين يقف معظم علماء النفس والاجتماع، وعلماء الأحياء التطوري المعاصرين الذين يرون أن الإنسان يولد حاملًا إمكانات الخير والشر معًا. فيه القدرة على الرحمة، والقدرة على القسوة. وفيه الاستعداد للتضحية، والاستعداد للعدوان. لكن البيئة والثقافة والتربية والقانون تحدد أي الجانبين سيتغلب. ولهذا رأينا فقهاء يصدرون أحكامًا بالقتل بحق فقهاء، وفقهاء ساحت دماءهم على النطع بحكم فقهاء. كما رأينا أطباء يتحولون إلى جلادين في بعض الحروب، وأناسًا عاديين يتحولون إلى أبطال ينقذون الآخرين في الكوارث. فالإنسان ليس ملاكًا بالفطرة ولا شيطانًا بالفطرة. وهنا أميل إلى أن التوحش ليس متجذرًا في الجينات وحده، ولو كان كذلك، لما وجدنا في الإنسان: التعاطف، والإيثار، والرحمة، والتضحية بالنفس من أجل الآخرين. حتى إن علماء الأعصاب اكتشفوا ما يسمى “الخلايا العصبية المرآتية” التي تساعد الإنسان على الشعور بآلام الآخرين والتعاطف معهم. أي أن الطبيعة البشرية تحمل بذور العدوان وبذور الرحمة معًا. في الختام أرى أن التوحش ليس مكتوبًا في الجينات بوصفه قدرًا محتومًا، لكنه، قد يستند إلى استعدادات بيولوجية قديمة. وأن الذي يتجذر في جينات الإنسان ليس التوحش ذاته، بل القدرة على التوحش والقدرة على الرحمة في الوقت نفسه. ولهذا فإن أعظم معركة في التاريخ ليست بين الإنسان والطبيعة، ولا بين الإنسان والوحوش، بل بين جانبي الإنسان نفسه: الجانب الذي يدفعه إلى التغلب على الآخرين، والجانب الذي يدفعه إلى الترفع عن ذلك. ولعل التاريخ كله يمكن قراءته بوصفه سجلًا طويلًا لهذا الصراع بين الإنسان المتوحش والإنسان المتحضر داخل النفس البشرية الواحدة. فهل الحضارة ستارًا فضفاضًا يخفي مفترسًا قديمًا؟ أم أن الرحمة هي الحقيقة الأعمق في الإنسان؟ لذا سيبقى الإنسان بين الرحمة والافتراس، ما دام إنسانًا.