لماذا لا تتحول مدارسنا بعد انتهاء الدوام إلى مراكز نابضة بالحياة؟!

تزخر مدارسنا ولله الحمد، بمساحات شاسعة مصمّمة بطرق مميزة واحترافية تضمن توفير بيئة آمنة وملائمة للتعلّم وممارسة الأنشطة الثقافية والرياضية بما يعزّز من الإبداع والعطاء والتميز من جهة، ومن تحقيق الاستدامة في المعرفة والتعلم من جهة أخرى، ومع ذلك فإنّ هذه المساحات لم تُستغل بصورة تعكس حب المجتمع للثقافة والمشاركات والتفاعل، بل وتظهر تفاعله المستمر وتطلعاته لبناء الإنسان وتكوينه المعرفي والمهاري بصورة مباشرة وواضحة. فحين نقف أمام كثير من مدارسنا الحكومية، لا نرى مجرد فصول دراسية وممرات وساحات؛ بل نرى أراضٍ شاسعة ومنشآت متكاملة أُنفقت عليها مليارات الريالات من المال العام، هذه المرافق تضجّ بالحياة والطموح في ساعات النهار، ثم تدخل في سبات طويل يمتد حتى صباح اليوم التالي، بينما المجتمع المحيط بها يبحث عن فضاءات ثقافية ورياضية واجتماعية وتنموية تحتضن أبناءه وبناته، وتفعل من قيمة المجتمع وتطوره في مختلف الجوانب التي تدخل في صلب مستهدفات الرؤية الطموحة 2030 لا سيما في برنامج تنمية القدرات البشرية. إنَّ السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا تتحول بعض المساحات غير المستغلة في المدارس إلى أوقاف تعليمية وتنموية مستدامة تخدم المجتمع وتدعم العملية التعليمية في الوقت ذاته؟ إذا اعتبرنا أن قطاعي التعليم والأوقاف يشكلان عصب حياة الإنسان السعودي، لا سيما الذي نشأ على نشر العلم والمعرفة وتعزيز جانب الأوقاف الخيرية التي تعكس إيجابا بالضرورة في نهضة الوطن وتقدمه تحديدا في قطاع التعليم، الذي يشكّل نسبة كبرى من النسيج المجتمعي في هذا الوطن العظيم. إن مفهوم الوقف لم يعد يقتصر على بناء المساجد أو العقارات التجارية، بل أصبح أداة تنموية حديثة تساهم في تمويل المشاريع التعليمية والثقافية والاجتماعية، ومن هذا المنطلق، يمكن استثمار أجزاء من الأراضي المدرسية الواسعة أو المرافق الملحقة بها في إنشاء مراكز ثقافية، ومكتبات مجتمعية، وأندية أحياء، ومسارح مصغرة، ومراكز تدريب مهني، ومقاهٍ ثقافية، أو حتى حاضنات للمواهب والابتكار، تعمل خارج أوقات الدوام المدرسي وتدار وفق نماذج استثمارية احترافية. وعلى هذا القياس، فإنَّ الفائدة لا تتوقف عند خدمة المجتمع فحسب، بل تمتدّ إلى توفير موارد مالية مستدامة يمكن أن تُعاد استثماراتها في تطوير البيئة التعليمية ذاتها؛ من تحسين المرافق المدرسية، ودعم الأنشطة الطلابية، وتوفير برامج الإثراء العلمي والثقافي، وصولاً إلى اكتشاف المواهب ورعايتها، ودعمها، وتعدّ هذه الفكرة واحدة من الأفكار الأصيلة، التي لا تناسب إلا أرض هذا الوطن، لتحقق الفرص وجاهزية القطاعين التعليمي والوقفي للبدء بالشراكة في هذا الجانب وتفعيله بصورة تضمن استدامته وصناعه أثره. وفي جانب آخر، اطلعت سابقا على شراكات بين الهيئة العامة للأوقاف، وبين وزارة التعليم، فكانت جميعها تتعلق بالجامعات الحكومية، ولم تكن هناك شراكات خاصة باستغلال المساحات داخل المدارس، وثمّة تساؤلات جوهرية: هل الفرصة اليوم سانحة بين المدارس والأوقاف أن تعقد شراكتها المنتظرة؟ وإلى أيّ مدى تكون فكرة الأوقاف ناجحة وتعزّز من قيمة المجتمع وحضوره وتأثيره؟ إذا ما اعتبرنا أنَّ الأوقاف التعليمية بمثابة الكنز الذي يختبئ داخل أسوار المدارس. في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تؤكد على رفع كفاءة الأصول الحكومية وتعزيز جودة الحياة وتنمية القطاع غير الربحي، فإننا نرى أنَّ تحويل المدارس إلى مراكز إشعاع مجتمعي متكاملة يبدو خياراً منطقياً ومتوافقاً مع التوجهات الوطنية، فالمدرسة ليست مبنىً للتعليم فقط، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية قادرة على صناعة الأثر في محيطها، واليوم مع قرب انتهاء العام الدراسي، يعيش نصف المجتمع أوقاتا متاحة للتعلم والتدريب والترفيه واستغلال الوقت للتطوير والتميز والإبداع. وعلى الصعيد العالمي، أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن المدارس يمكن أن تتحول بعد انتهاء اليوم الدراسي إلى مراكز مجتمعية نابضة بالحياة، تستضيف الدورات التدريبية، والفعاليات الثقافية، والأنشطة الرياضية، وبرامج الأسرة والطفل، دون أن يؤثر ذلك على رسالتها التعليمية الأساسية، بل إن هذا التفاعل يخلق علاقة أعمق بين المدرسة والمجتمع، ويعزّز الشعور بالملكية المشتركة للمرفق العام. إنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص المساحات، بل في طريقة التفكير في استثمارها من قبل رجال الأعمال في الوطن، ولعل تجربة منصة إحسان والتبرعات السخية التي تكون في كل عام، دليل نابض بالحياة وحب الخير من الوطن وأهله، ولا شك أنّ المدارس صورة أخرى للحياة في المجتمع، وتحويلها في هذه الفكرة، فرصة كبرى سانحة، هذه المدارس بلا شك، مؤهلة لأن تكون مراكز تنموية واقتصادية صغيرة داخل الأحياء، تساهم في رفع جودة الحياة وتوليد موارد مستدامة وتفعيل رأس المال الاجتماعي. أخيرًا، ربما حان الوقت لأن ننتقل من مفهوم “المدرسة المغلقة بعد الجرس الأخير” إلى مفهوم “المدرسة التي لا تغلق أبوابها أمام المجتمع”، فكلّ متر غير مستغل في مرافقنا التعليمية يمثل فرصة مؤجلة، وكل مساحة خامدة يمكن أن تتحوّل إلى مشروع يصنع المعرفة، ويرعى الموهبة، ويخدم الحي، ويعزز الاستدامة، ويطوّر المجتمع بصورة فاعلة ويضيف إلى قيمة المدرسة، قيمة أخرى إضافية تقدّر التعليم ورسالته، التي لم تعد في وقت الصباح أو في إطار زمن العام الدراسي، بل إلى أوقات أخرى مفتوحة، نعم، مدارس النهار ومجتمعات المساء على مدار العام، فهذه المدارس ليست فقط أماكن للتعليم، بل يمكن أن تصبح أوقاف حياة لوطن نابض بالطموح والشغف. * معلم، وأخصائي تقويم مدرسي, عضو في المجلس الاستشاري للمعلمين.