د. عبد الله الياقوت في أدب الرحلة من القرن السادس ..

دراسة جديدة تكشف عن العلاقة الوثيقة بين الأندلس والحجاز .

لا يزال أدب الرحلات الأندلسية في حاجة إلى المزيد من الدراسات الجادة، التي نحتاج منها أن تكشف لنا عن أسرار وكنوز هذا التراث الذي خلفته حضارة الإسلام التي عاشت ردحاً من الزمن في الأندلس. ووفقاً لباحثين فإن ذلك الفرع من الأدب الأندلسي لم ينل ما يستحقه من اهتمام الباحثين والكُتّاب، بل وربما لاقى الكثير من الإهمال على الرغم من كونه تُراث أدبي جدير بالدراسة والبحث. وكما تدلنا المصادر، فإنه وإن كانت الدراسات التي تناولت أدب الرحلة الأندلسية قليلة، إلا أن هناك من منحوا هذا الأدب اهتماماً لافتاً بدا واضحا فيما قدموه من دراسات في هذا الشأن. ومن بين تلك الدراسات المهمة التي تحتفظ بها المكتبة العربية، والتي في فلك الأدب الأندلسي، تأتي دراسة الباحث الدكتور عبدالله بن عثمان الياقوت، والتي حملت عنوان: “أدب الرحلة الحجازية عند الأندلسيين من القرن السادس حتى سقوط غرناطة”. الدراسة التي قدمت الكثير للباحثين والمهتمين بحقل أدب الرحلة بوجه عام والرحلة الحجازية عند أهل الأندلس بوجه خاص، كانت ضمن قائمة دراسات فرع الأدب بكلية اللغة العربية في جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية. الباحث الدكتور عبدالله بن عثمان الياقوت، قسّم دراسته على ثلاثة أبواب، وتوزّعت مواد كل باب على فصول عدة. تناول الباب الأول الرحلة الحجازية عند الأندلسيين، وتكوّن من ثمانية أبواب. في الفصل الأول استعرض الباحث أهمية الحجاز في صدر الإسلام، وفي الفصل الثاني تحدّث عن أهمية الرحلة الحجازية عند الأندلسيين وأثرها على الحركة الأدبية، فيما تضمّن الفصل الثالث مفهوم الأندلسية، وأما الفصل الرابع فتناول أخطار الرحلة الأندلسية، وفي الفصل الخامس رصد الباحث آثار الرحلة الحجازية وأبعادها، أما الفصل السابع فخصصه الباحث للحديث عن القيمة الأدبية والعلمية للرحلات الأندلسية، وفي الفصل الثامن أضاء الباحث على كُتّاب الرحلة الحجازية وآثارهم. وفي الباب الثاني الذي جاء في فصلين، تناول الباحث الرحلة كجنس أدبي، وتوقف عن اشعار عدد الاندلسيين الذين ارتبطت أشعارهم بالرحلة الحجازية، كما تناول نثر عدد من الأدباء الأندلسيين وما كتبوه في مجال أدب الرحلة الحجازية. وغاص بنا الباحث في الباب الثالث من دراسته، في البناء الفني للرحلة الحجازية، عبر خمسة فصول تنوّعت موضوعاتها ما بين مكونات البنية الوصفية، وأدب الرحلة بوصفه فناً متميزاً، والصورة الشعرية لأدب الرحلة، والبنية اللغوية، والفنون البديعية. وقد اختتم الباحث الدكتور عبدالله بن عثمان الياقوت، أبواب وفصول دراسته بالكشف عن مجموعة من النتائج التي توصل لها ومنها: ظهور أثر الغربة في نفوس الرحّالة الأندلسيين أشعارهم، وتعصبهم لأندلسيتهم بصورة واضحة، واعتزازهم بحضارتهم الإسلامية وثقتهم بها وبأصالتها. واتسام نصوص أدب الرحلة الحجازية عند الأندلسيين بوضوح الفكرة وجمال التعبير وبساطة الجملة، وحَمْل ألفاظ الرحّالة الأندلسيين وصورهم ومعانيهم لرؤية واضحة عن أوضاعهم وارتباطهم بذوق عصرهم. ورأى الباحث أن العناية بالتراث الأندلسي هو حفظ للثقافة الإسلامية. ووفقاً للدراسة، فقد ساهم الأندلسيون في كل الفنون وتقدموا على من سواهم في تلك الحقبة الثمينة من الزمن، فكان منهم المفسرون الكبار وكان من بينهم المحدثون والفقهاء الذين بلغوا الذروة في علوم الحديث والفقه والسيرة وغيرها من العلوم المختلفةـ فيما كانت رحلاتهم من الأندلس وإليها حافلة بالبطولة، مليئة بالتضحيات والبطولة، وكان أدب رحلاتهم مركز إشعاع حضاري يضيء الطريق للسائرين. الدراسة أشارت إلى أن العلاقة كانت وثيقة بين الأندلس والحجاز فكراً واحداً وأدباً واحداً، وذلك برغم تباعد الأقطار. وبيّنت بأن الدليل على ذلك هو تلك المدائح النبوية من القصائد التي ترسل مع الرحّالة الأندلسيين من الذين لا يستطيعون الرحيل إلى بلاد الحجاز. وبحسب الدراسة فإن الأندلسيين دأبوا على الإعجاب بالمشرق والحنين إليه، فهو في نظرهم وطنهم الأول ومهد حضارتهم الإسلامية ومصدر زادهم الروحي والثقافي، وظل كل أندلسي يشعر بأنه جزء من هذا المشرق، فيحن إليه، وقد ظل هذا الشعور قوياً في أعماق الأندلسيين على امتداد الزمن وامتداد التواصل مع المشرق حتى أخر عهد المسلمين، وظل الأندلسيون يحملون لبلاد الحرمين إجلالاً كبيراً وتقديراً عظيماً. وتدلنا دراسة “أدب الرحلة الحجازية عند الأندلسيين من القرن السادس حتى سقوط غرناطة”، للباحث الباحث السعودي الدكتور عبدالله بن عثمان الياقوت، على أن الرحلات تُعتبر مصدراً فريداً لكثير من النصوص الأدبية شعراً أو نثراً، وانفرادها برواية كثير من النصوص، وحرص أغلب الرحّالة على أن تضم رحلاتهم النوادر، وإدراجهم للكثير من قصائدهم ورسائلهم النثرية، وأن الرحلات جاءت بمثابة دواوين لأصحابها ومجاميع ضمت ألواناً من إنتاج العصر وأدبه، خاصة وأن بعض الرحّالة لم تُعرف لهم اشعار أو دواوين إلا من خلال ما ورد فيما دوّنوه خلال رحلاتهم. الدراسة كشفت عن تراجم الشعراء مرتحلين في بعض المصادر المخطوطة لم تذكرها المصادر المطبوعة بالإضافة إلى المخطوطات التي لم تحقق لترى النور، والتي تؤكد وجود مادة كبيرة تحتاج إلى بحث وتقصى من المصادر. واعتبرت الدراسة أن أدب الرحلة الأندلسية جزءاً مهماً في معرفة ثقافة الآخر وحضارته، ورأت أن أدباء الرحلة واجهوا وتعايشوا مع حضارات أخرى لفترات متفاوتة سمحت لهم في كثير من الأحيان أن يصفوها وصفاً موضوعياً، معتمداً على المشاهدة لبعض تفاصيل هذه الحضارات. ولفتت الدراسة إلى أن الرحّالة الأندلسيين استفادوا في نصوصهم من آليات الفن القصصي من حوار وسرد، إضافة إلى القصص الذي ترعرع في ظلال القرآن الكريم وكنفه ومما ورد من قصص، أصطلح عليه تسميته بالقصص القرآني، ولفتت الدراسة كذلك إلى أن رحلات الأندلسيين حوت قصصاً مثل قصة موسى وعيسى وفرعون وغيرها من القصص في صورة جملية. وهكذا، فإن تلك الدراسة وغيرها من الدراسات، تدلنا على اهتمام الباحثين والكتاب السعوديين، وكذا المؤسسات المعنية بالمملكة وفي مقدمتها الجامعات، بالأدب الأندلسي بوجه عام، وأدب الرحلة الأندلسية عند الأندلسيين، والدور السعودي الكبير في الإضاءة على الأدب الأندلسي، وما يتعلق بالرحلة الحجازية في هذا الأدب، وهو جهد نراه يمتد من الأندلس إلى غيرها من بلاد العرب والمسلمين.