في كتاب «وأنا بُرْ وأنا دُخنْ» لعبد الرحمن موكلي ..

الطعام مكوناً للهوية الثقافية والاجتماعية .

مدخل: حينما يقودك الحظّ لقراءة كتاب الباحث والشاعر عبدالرحمن موكلي، الصادر مؤخرًا (2026) عن دار أروقة للدراسات والترجمة والنشر، بعنوان: “وأنا بُرْ وأنا دُخنْ”، فلابد أن يستوقفك الإهداء الذي وضعه في مقدّمة الكتاب إلى روح والده الذي أورثه أرضًا وضيعها وسلاحًا وباعه، وبقيت مواقفه هي الدليل له كلما تاه! المواقف التي تعلّم منها، واكسبته الخبرة، والمعرفة بالعالم من حوله، بدءًا من القرية الصغيرة التي ولد ونشأ فيها، وهي المواقف التي بقي وفيًا لها كثيرًا وطويلًا، وربما هي ما انعكست على أجزاء من هذا الكتاب، الذي يدور حول الطعام في تلك القرى بوصفه موروث شعبي وتراثي تقف خلف كل نوع منه حكاية، وتواكب كل نوع منه رواية تنتقل من جيل إلى آخر، لتكوّن سردية خالدة في وجدان وذاكرة الأرض والإنسان. التراث غير المادي حظي الكتاب بمقدّمة من قلم الكاتب والشاعر المبدع إبراهيم زولي، وهو الحفي بالكتب والإصدارات الجديدة دائمًا، قال فيها عن الكتاب: يأتي هذا العمل ضمن سلسلة كتب يواصل فيها المؤلف مشروعه “الحفر العميق” في تراث جازان، بعيدًا عن الصورة السياحيّة السريعة، وقريبًا من التفاصيل التي تحفظها الذاكرة الشفوية وتوشك على التلاشي. مضيفًا زولي أنه يمكن قراءة الكتاب بوصفه مُساهمة في كتابة “أنثروبولوجيا من الداخل”؛ كتابة تنطلق من الخبرة المعيشة، لكنها لا تكتفي بالنوستالجيا، بل تحوّلها إلى سؤال مفتوح حول ما يبقى من المكان في أطباقه وكلماته وأساطيره الصغيرة. ذلك أن الطعام والأكل يُمثِّلان ظاهرة ثقافية واجتماعية معقدة تتجاوز مجرد الإشباع البيولوجي في الحاجة إلى الغذاء فقط، وما ينطوي عليه من أبعاد أساسية، وسؤال دائم عن الكيفية التي يمكن أن يشكِّل فيها الطعامُ الهويةَ والعلاقاتِ والأنساقَ الرمزيةَ للمجتمعات. وحيث يُعدُّ الطعام من أبرز مكونات الهوية الثقافية والاجتماعية، فإننا نجد الأطباق التقليدية؛ مثل: الكسكسيه في المغرب العربي، أو السوشي في اليابان، ليست مجرد وجبات، بل رموز للهوية الوطنية أو الإقليمية، ولذا فإن المجتمعات دائمًا ما تحافظ على أطباقها كوسيلة للحفاظ على تراثها كعلامة ثقافية وهوية جماعية تميز به نفسها عن الآخرين. كما أن هذا الطعام هو أيضًا باب من أبواب المعرفة المتوارثة والتقاليد التي تحفظها الأجيال، حيث تتناقل الأجيال جيلًا بعد آخر الوصفات التقليدية وطرق وتقنيات الطهي، ولذا يعتبر جزء مهم من التراث غير المادي، وتعد المعرفة بها تكريس للهوية الثقافية وسبيل إلى حفظها، ومع ذلك قد يؤدي الاحتكاك والإندماج بين الثقافات إلى تبادل الأطعمة وتطوير مطابخ هجينة، وهو ما يُظهر كيف يمكن أن يكون الطعام وسيلة للتكيف مع التغيير الثقافي. المرسة طبق من صبيا وقد استهلّ المؤلف كتابه بالحديث عن “المَرْسَة” الطبق الأشهر في منطقة جازان، وهي التي تختلف مكوناتها عن أي مرسة أخرى بدأت تظهر اليوم هنا أو هناك، في مُحاولة لتقليدها أو نسبتها لموقع جغرافي غير جغرافيتها التي عُرفت فيها أولًا، وجازانيتها التي ارتبطت فيها بموروث شعبي تراثي، وهو ما يكشف المؤلف كثيرًا من تفاصيلها عبر موضوعات متعدّدة كان عنوانها الأبرز هو “المرسة”. وبروح الشاعر، التي يمتلكها نجح المؤلف في إثارة الدهشة عند القارئ منذ البداية، حيث يرى أنّ اسم “المرسة” يصلح أن يكون عنوانًا لرواية، مُقترحًا فصولها القائمة على أنواع المرسة ومقاديرها، وأمّا أبطالها فهم نساء مولعات بالتباهي بصناعة الأكل انطلاقًا من سريان روح المعد فيما يطهو من طعام، ورجالها مولعون بتتبع أرواح النساء في المأكولات، والأطفال سيكون حضورهم كشهود في عوالم هذه الرواية، وزمانها في بداية السبعينيات، ومكانها الذي تدور فيه أحداثها سيكون في مدينة صبيا. وعند حديث المؤلف عن “المرسة”، جعل من نفسه أحد أطفال هذه الرواية دون أن يتدخل في صناعتها، هذا الطفل الذي كبر اليوم، وخبر كثيرًا من التجارب، ومرّ بكثير من المواقف الحياتية، وجاء الوقت الذي يقدّم توثيقًا كتابيًا لكثير من الموروثات الشعبية، والجماليات التراثية التي تحظى بها منطقة جازان في مختلف المجالات، وعلى مستوى المحافظات والقرى والحلل. هذا التوثيق التراثي، ووصف العلاقة بين الأكلات والآلهة القديمة، الذي يُسلّط المؤلف عليه الضوء لم يكن وليد اللحظة، أو في مرحلة عابرة، ولكنه امتداد لكتابين سابقين كان الأوّل عن سيرة الفلّ في منطقة جازان، والآخر عن أسماء الأماكن في منطقة جازان، ومعانيها التي توصل إليها وأشار لها في كتاب “الهبل”. ولكن؛ عندما يصل المؤلف بالقارئ إلى الصفحة الـ 18 من الكتاب نجده يتخلى عن هذه الفكرة مُبررًا ذلك بأن “المرسة” ليست صالحة لتكون رواية، ليبدأ فصلًا جديدًا من الكتاب عن نفس الموضوع أشبه ما قد تكون أقرب للكتابة المفتوحة، وهو ما دعاه إلى الكتاب تحت موضوعات عدّة؛ منها: الموز الزعبي، موز امضيعة، أنواع المرسة، صنع النساء للمرسة، مرسة العيد، ومرسة الخضير. ويرى المؤلف أنّ مدينة “صبيا” هي من ابتكرت “المرسة”، مؤكدًا أنها الأصل في المرسة، ويعزو ذلك إلى أن صبيا مدينة حافلة بكل المكونات الغذائية، والمطبخ العامر بكل الأصناف، والمرأة المستقرة في بيتها، لديها الوقت الكافي للطبخ والتفنن في الأكلات، حيث يرى أنّ مجتمعات المدن الغنية المرفهة دائمًا ما تبتكر أكلات جديدة، فكلما تحرر الخيال، وسرحت ذائقة الإنسان، كلما صنعت جديدًا من الأكلات، وفي المدن يُعتبر الخيال والذائقة مُتقدمة في صناعة الأكلات. الأنثروبولوجيا بطابع نوستالجي في هذا الكتاب، الذي نعرض له اليوم، يُركّز المؤلف على كثير من العادات والتقاليد الاجتماعية في الأكل، وما يواكبها من ممارسات، حيث يقدم رؤية ذاتية يمكن أن نُطلق عليها بما أشار إليه مقدّم الكتاب “زولي” بالكتابة الأنثروبولوجية، فنجد أن المؤلف مهموم بالحديث عن هذه التفاصيل في حياة الإنسان الجازاني، وعميق بها، وهو الذي تربى على كثير منها، يشاهدها حوله، يعيشها، وقد يمارسها. إنّ المنحى الأنثروبولوجي الاجتماعي والثقافي يظهر جليًا في كتاب “الموكلي” عند تتبع الموضوعات التي كتب عنها، حيث يظهر ذلك جليًا من العنوان الذي اختاره “وأنا بُر وأنا دُخْن”، هذا العنوان الذي يوثق تعبير شفوي نجده حاضر على لسان الإنسان في منطقة جازان، كشكل من أشكال الاستعداد لتلبية طلب ما، ليتم الرد بهذه الجملة في الوقت المناسب لها، وهو ما يصفه المؤلف بالبشارة المرتبطة بالـ”بُرّ”، والـ”دُخْن”، وكأن للبر والدخن قيمة تتجاوز كونهما طعامًا، في إشارة إلى آلهة الخصب والحصاد القديمة والحبوب، وحضورهما الديني المقدس، وارتباطهما بالأعياد في الأزمنة القديمة. وإذا تماهينا مع الأفكار التي يُحاول المؤلف الحديث عنها، نجد أنّ الطعام ليس فقط وقودًا للجسد، بل هو نظام ثقافي يعكس قيم المجتمع وهيكلته وحالته، ومن خلال دراسة الأنماط الغذائية، يمكن للأنثروبولوجيا أن تكشف عن التنظيم الاجتماعي، والمعتقدات، والتاريخ، والتحولات التي تطرأ على المجتمعات. إذًا الأكل هو فعل ثقافي يُظهر كيف يختبر الإنسان العالم من حوله ويُعبِّر عن ذاته. وبالرغم من هذا البعد الأنثروبولوجي الاجتماعي والثقافي، الذي يُكرسه المؤلف في كثير من العناصر الاجتماعية والتراثية في أبعادها وحمولتها الثقافية لدى المجتمع الجازاني، إلّا أنّ هناك ملمح نوستالجي حاضر في ذهن “الموكلي” وهو يسوق عدّة عناصر من المأكل والمشرب، وكأنه في حالة حضورية استدعاها اليوم بأفق الواعي لكل ما كان يدور حوله وفي ظلّ غياب زمن كانت فيه كثير من تلك الطقوس والعادات حاضرة عند هذا المجتمع المتنوّع في صنوف طعامه كما هو متنوّع في عاداته وتقاليده وموروثه الشعبي، وذلك لما يحظى به من قائمة متعدّدة تزخر بها المائدة الجازانية في الماضي والحاضر وحتى المستقبل. هذا الغياب الذي يتوق المؤلف إلى استعادته ولقياه هو ما جعله يُحاول أن يربطه برمزية أسطورية في إشارة إلى الحالة التي كان يُصنع بها الطعام، وما يرافقها من ظواهر وإشارات تدلّ على أسطوريتها التي اختفت أو قاربت على الاختفاء اليوم في مجتمع الكاتب المحلي. وهو ما مكنه من بناء سردية تعبيرية عن كثير من عناصر هذا التراث غير المادي للطعام في منطقة جازان. خاتمة: يحملك الكتاب على استكمال موضوعاته الأخرى المتعدّدة، التي أوردها المؤلف في ثناياه، مقدّمًا عرضًا وافيًا في الغالب ومختصرًا أحيانًا، ويُعدّ مرجعًا مُهمًا لمن يبحث في أبعاد الأطعمة والأكلات الاجتماعية والثقافية.