لو لم توجد مرايا…

كيف كنا سنرى أنفسنا؟

أول ما تبادر إلى ذهني حين بدأت التفكير في هذا السؤال كان شيء غريب ومضحك في الوقت نفسه: هل كانت الصور ستظل موجودة لو لم توجد المرايا؟ ورغم بساطة السؤال، إلا أنه قادني إلى فكرة أعمق؛ ربما الإنسان سيظل يبحث دائمًا عن انعكاسه، حتى لو اختفت كل المرايا. قد يرى نفسه في سطح نافذة، أو في بركة ماء، أو حتى في عيون الآخرين. فمعرفة الشكل ليست مجرد فضول عابر، بل جزء من محاولة الإنسان الدائمة لفهم ذاته والتعرف عليها. لكن، هل المرايا مجرد زجاج فعلًا؟ أعتقد أن المرايا أكثر من ذلك بكثير. الأصدقاء مرايا، والأهل مرايا، والحبيب مرآة، وحتى ما نقرأه، وما نكتبه، وما نحبه أو نكرهه… كلها انعكاسات تكشف لنا شيئًا عن أنفسنا. غير أن السؤال الأصعب هو: هل يرى الآخرون حقيقتنا فعلًا؟ أم يروننا كما يريدون هم أن يرونا؟ في كثير من الأحيان، نصنع صورتنا عن أنفسنا من خلال ردود أفعال الآخرين تجاهنا، ونأخذ أحكامهم على محمل الجد أكثر مما ينبغي. كلمة عابرة قد تغيّر نظرتنا لأنفسنا سنوات طويلة، ومديح بسيط قد يمنحنا ثقة لم نكن نمتلكها من قبل. وكأن الإنسان، رغم عيشه داخل نفسه طوال عمره، يحتاج دائمًا إلى انعكاس خارجي يؤكد له من يكون. وربما هنا تكمن المشكلة. فحين يعتمد الإنسان بشكل كامل على المرايا الخارجية لفهم ذاته، يصبح هشًّا أمام نظرات الآخرين وأحكامهم، ويبدأ تدريجيًا بفقدان صوته الداخلي. فيرى نفسه كما يراه الناس، لا كما يشعر بها حقًا. ومع الوقت، قد يبتعد عن صورته الحقيقية وهو يظن أنه يقترب منها. ومع ذلك، يبقى الداخل أكثر تعقيدًا من أي انعكاس. داخل كل إنسان عالم كامل لا يراه أحد كما هو؛ بحر عميق من المشاعر والذكريات والتجارب والأفكار. وربما لهذا نعجز أحيانًا عن فهم أنفسنا بالكامل، رغم أننا الأقرب إليها. فهناك أجزاء داخلنا لا تكشفها المرايا، ولا تستطيع الصور التقاطها، ولا يعرفها حتى أكثر الناس قربًا منا. ولعل أغرب ما في الأمر، أن الإنسان قد ينظر إلى نفسه يومًا فيراها جميلة، ثم ينظر إليها في يوم آخر فيشعر بالعكس تمامًا، رغم أن شيئًا كبيرًا لم يتغير في ملامحه. وهذا يجعلني أؤمن أن نظرتنا لأنفسنا ليست بصرية فقط، بل نفسية وشعورية أيضًا. فنحن لا نرى أنفسنا بأعيننا وحدها، بل بحالتنا الداخلية. فكم من شخص جميل لا يرى في نفسه شيئًا مميزًا، وكم من شخص عادي الملامح يحمل من الثقة ما يجعله حاضرًا في أعين الجميع. وهنا يظهر السؤال الحقيقي: إذا كانت المرايا تعكس ملامحنا… فمن يعكس حقيقتنا؟ ربما لا تكمن الإجابة في الخارج وحده، ولا في الداخل وحده، بل في المسافة بينهما؛ في تلك المحاولة المستمرة لفهم أنفسنا بعيدًا عن التشويه، وبعيدًا عن الأحكام، وبعيدًا عن الحاجة الدائمة لأن يخبرنا الآخرون من نكون. فلو لم توجد مرايا… ربما كان الإنسان سيقضي عمره كله يبحث عن نفسه.